وفي خضم هذا الاضطهاد والحصار على المشتغلين بالعلم والفلسفة والأدب، ظهر الأمير الخليفة عبد المؤمن، فقرّب رجال الفكر والعلم والأدب والفلسفة والفقه من بلاطه، وأجزل لهم العطايا والهبات، مما جعل العديد من هؤلاء الفلاسفة يعيشون في كنفه وحمايته، وكان من أبرز أولئك الفلاسفة الذين اجتمعوا في بلاطه: (ابن زهر، وابن باجه، وابن طفيل، وابن رشد) ، وبعد وفاة عبد المؤمن خلفه الأمير يوسف الذي كان محبًا للعلم، ومجلًا للفيلسوف ابن طفيل الذي بوأه منزلة رفيعة في قصره، وكان ابن رشد صديقًا حميمًا لابن طفيل، فسعى مع الأمير كي يكون قريبًا منه، وكان له ذلك بعد أن امتحنه الأمير، واكتشف نباهته، ونبوغه، فأسند إليه قضاء إشبيلية عام (565 هـ- 1169 م) وفي عام
(567 هـ- 1171 م) عاد إلى قرطبة، وبدأ بشرح أفكار أرسطو شرحًا مستفيضًا، وكان يتنازعه في حياته عاملان"عامل منصبه في القضاء، وعامل التأليف، ولذلك قال في كتابه: (مختصر المجسطي.) "إنه يشبه رجلًا اتصلت النار بمنزله، فأخذ يخرج منه أهم أثاثه شيئًا فشيئًا"وقد أراد بذلك التعبير عن ضيق وقته، وعدم مقدرته على الانقطاع للتأليف" (3) .
وفي عام (1179 م) انتقل إلى إشبيلية، وفي عام (1182 م) استدعاه الأمير يوسف إلى المغرب، وجعله طبيبه الخاص مكان ابن طفيل، وولاه منصب قاضي القضاة في قرطبة، المنصب الذي كان جده، وأبوه قد حازا عليه في حياتهما. وعند بلوغ ابن رشد هذه المنزلة العالية لدى الأمير يوسف، وأصبح في ذلك الزمان سلطان العقول والأفكار، لا رأي إلا رأيه، ولا قول إلا قوله، تكاثر حسّاده عليه، ولا سيّما أولئك الذين كانوا يطمحون بالوصول إلى منزلته، ولم يتمكنوا من ذلك، فوشوا به لدى الخليفة (يعقوب المنصور) بأنه يجحد القرآن، ويعرّض بالخلافة، فجعلوه يحقد عليه، ويكفّره، وينفيه، وليس الوحيد الذي أودى به الحسد، ولن يكون الأخير، فثمة رجال عظام كُثُر في التاريخ