(( درس في صغره الفقه، والأصول، وعلم الكلام على يد أبي القاسم بن بشكوال، وأبي مروان بن مسرّة، وأبي بكر بن سمحون، وأبي جعفر بن عبد العزيز، وهم أعظم فقهاء الأندلس في ذلك الزمان، غير أن عقله المطبوع على طلب الحقيقة وحب التوسع في العلم، لم يكتف بذلك، فأقبل برغبة شديدة، ونشاط عظيم على درس الطب، والرياضيات، والفلسفة، وقد أخذ الطب عن أبي جعفر هارون، ومنهم من يذهب إلى أنه أخذ أيضًا عن الحكيم(ابن بجا) أعظم فلاسفة الأندلس قبل ابن رشد-ولكنّ هذا الأمر- لم يثبت، ولا دليل عليه، سوى أن ابن رشد، يتكلم في كتبه على هذا الفيلسوف الكبير بكل احترام ورعاية، ولما شب ابن رشد؛ صار صديقًا لجميع علماء عصره، وكان بينه وبين الفيلسوف (ابن طفيل) مودة، واتصل بأسرة (بني زُهر) التي اشتهرت بالعلماء الذين نبغوا منها )) (2) ولا سيما في عصر الخليفة الحكم الذي يسمى بالعصر الذهبي لكثرة حبّه للعلم والعلماء، حيث خلفه من بعده ابنه هشام الذي ثار عليه الحاجب المنصور، واغتصب منه السلطان، ورغبة منه في تقوية عرشه، وإضعاف أنصار هشام، فقد ضيّق على أهل العلم، والمشتغلين بالفلسفة، ومنع جميع الكتب الفلسفية، والفلكية التي تحمل آراء جديدة، واجتهادات إضافية على ما جاء به السابقون، لا بل وصل به الأمر إلى جمع تلك الكتب، وإحراقها في ساحات قرطبة، مما اضطر بعض الفلاسفة إلى الاختفاء عن الأنظار، وإلى تهريب كتبه خارج البلاد، أو إخفائها عن أقرب الناس إليه.