ومن هذا بالذات تجلتْ واتضحتْ أهميةُ فلسفة ابن رشد في نقضه -فكرًا وممارسة-الفكر النصي التبريري، بحدود ومستوى وآفاق القوى الطبقية. الصاعدة تاريخيًا-في حينه- وبذلك كانت فلسفته فلسفةً واقعيةً تغييرية- نقدية، من موقع النقيض التقدمي والمستجيب لمستوى الآفاق الموضوعية والذاتية لعوامل التقدم الاجتماعي.
وقد برز ذلك، في بحثه ومعالجته الواقعَ الاجتماعي للدول ذات الأنظمة الجائرة حسب تعبيره القائمة على أساس الملكية الخاصة التي يمكن استثمار جهد الآخرين بواسطتها، وكيفية الانتقال منها إلى مجتمع العدالة"الأمثل".
وأول هذه الأنظمة"نظام الحكم الملكي"الثيموقراطي"وعماده الطغيان المعنوي والشرف."
ويضرب مثالًا على ذلك حكومة المرابطين، فحقيقة الحكام تقول:"إنهم سادة من جانب واحد... لا يعنيهم إلا السعادة المادية الحسية والثراء" (19) لذلك فحكمُهم قائمٌ على الطغيانِ والاستغلال، وغايتُهم بعيدةٌ عن العدالة.
أما النوع الآخرُ من الحكم فهو حكمُ الأثرياء- أو حكم القلة الثرية"الأوليغارشية"يقول فيهم: إنهم بعيدون عن تحقيق العدالة لأن"أكثر الناس في دولتهم فقراء" (20) .
أما النوع الثالث من الحكومات الضالة: فهي حكومة الجمهور وهنا يسهب في الحديث عنها لأنها يمكن أن تكون أداة تعمية للجماهير، يقول:"إنها تقوم على أساس: أن كلَّ إنسان حر وهذا يعني أن يفعل ما يريد ويملك ما يريد" (21) وهذا بشكل عام مطلب إنساني عظيم ولكن بحدود الملكية الخاصة التي يمكن استثمار جهد الآخرين بها"ستنشأ عن ذلك طبقتان: طبقة العامة وطبقة الجبابرة، كما هو الحال في دولة الفرس، وفي الكثير من دولنا الآن، في مثل هذا الوضع تُحكم العامة من قبل الجبابرة والجبابرة يفعلون ما يشاؤون من أجل التملك، وهذا يقودهم إلى الطغيان، وإذا رفض الحكام إعادة توزيع الثروة التي سلبوها فستحدث صدمة قوية، يهتزُ على أثرها الأمراءُ والحكام ويتحولون إلى طغاة".