فهرس الكتاب

الصفحة 15708 من 23694

وبهذه الناحية بالذات تكمن قدرةُ ابن رشد، ونقطةُ ضعفه، فعلى الرغم من تأكيده ضرورةَ تحوّلِ المجتمعات الطبقية أخيرًا، إلى مجتمعات لا طبقية وإدراكهِ حقيقة الصراع الطبقي كقانونٍ لتحول المجتمعات الطبقية إلى مجتمعات لا طبقية، إلاّ أنه لم يستطعْ الإحاطة بالأشكال المتعددة للصراع الطبقي. وبهذا قصُرَ فهمُه الاجتماعي، عن مستوى فهمهِ للعلوم الطبيعية"والقائم أساسًا على حركة الموجودات في تكونها وصيرورتها"من القوة إلى الفعل"بفاعل جوهري هو تناقض وصراع الأضداد في مادتها، ومن ثم من خارج، كعامل ثانوي، علمًا بأنّهُ كان قد ألمح إلى شيءٍ من هذا، في إجابته عن سؤال كان قد طرحه على نفسه قائلًا:"كيف تتحول هذه الدول؟... وما العلاقة بينها وبين الدولة المثلى؟... وضرب مثالًا على ذلك، نلمس من خلاله شيئًا من التقية الاجتماعية، والعمق المعرفي يقول:"بين اللون الأبيض والأسود ظلالٌ مشتركةٌ، هذه الظلال لها اللونان معًا، فيها الكثير من البياض نستطيع ضمه إلى الأبيض، وفيها الكثير من السواد نستطيعُ ضمهُ إلى الأسود، فمن الواضح أنه إذا كان هذا هو حال بناء هذه الدولة، فتحول شيئين إلى بعضهما، يكون في النقيض الأقصى بالذات، فالنقيض يتحول إلى ضده، خطوةً خطوةً، حتى يصلَ إلى النقيض الأقصى" (18) .

على الرغم من إشارته هذه، إلاّ أنه-أي ابن رشد- ابن بنية اجتماعية- اقتصادية- تاريخية- غير متمايزة- بحدودٍ كافيةٍ- تسيطر فيها العلاقات الإقطاعية القبلية المتفسخة ولكنها المكرسة في محاولة تأبيدها، والتي تتضمن إلى جانب ذلك علاقات رأسمالية وليدة صاعدة، بنية تتميز بوجود فكر علمي فلسفي، وسيطرة للفكر الإيماني التسليمي التبريري، ممثلًا بفقهاء المالكية، والمكرَّس في رؤوس العامة على نحوٍ تاريخي مديد.

فانتزعوا بذلك-أغلب العامة- فكريًا من موقعها الحقيقي، كصاحبة مصلحةٍ حقيقةٍ في فهم التغيير وممارسته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت