ويستنتج من هذا التشابه، وجوب حكم الفلاسفة للدولة والمجتمع، وخضوع كافة الفئات لما يرسمه الحكماء، فيحقق المجتمع عدالته الاجتماعية. يقول:"ستكون الدولة حكيمة، إذا ما الحكماء حكموا كافة الفئات، كما يكون الرجل حكيمًا، إذا ما العقل حكم سائر القوى" (8) ، من هنا وجب أن يكون"حكام هذه الدولة- أي الدولة المثلى- هم الحكماء" (9) وحدد ابن رشد المهمة الأساسية للحاكم بقوله:"إنّ غاية الحاكم في الدولة هي: إيصال الدولة إلى الأفضل، وإبعاد ما هو سيء عنها، ولا يوجد أكثر سوءًا من أن يجعل الدولة تنقسم إلى عدة دويلات، والأكثر حسنًا أن يخلق الانسجام بين هذه الدويلات، ويجعلها دولة واحدة، ولذلك، فالمواطنون في هذه الدولة، إمّا أن يعيشوا جميعًا، أو يموتوا جميعًا، لأنّ أفراحهم وأتراحهم واحدة" (10) . ويعتبر الحكام قدوة لمواطنهم ومثالًا يحتذي"بإدارتهم... وأعمالهم... ومعتقداتهم." (11)
هذا هو الشرط الأول لتحقيق مجتمع العدالة.
أمّا الشرط الثاني فهو: التنشئة الاجتماعية، ويعتبرها شرطًا حاسمًا لتحقيق العدالة الذاتية والاجتماعية. ويقدم لنا حكمته القائلة:"حتى لو كانت بذور النباتات من نوعٍ جيد، ولم تلقَ مناخًا مناسبًا، وتربة صالحة، فستتحول إلى نباتاتٍ سيئة" (12) لذلك، فإنه يهتم اهتمامًا خاصًا بنوعية النظام الاجتماعي والعلاقات الاجتماعية السائدة، وأهميتها للتنشئة الاجتماعية، وأثرها على الفرد، خاصة وأنّ"غاية الإنسان وسعادته، سيحققها بفعاليته الخاصة به" (13) .
لذلك يجب تنشئة وتنمية وتربية هذه الفعاليات، بشكل مناسب، وبما يخدم العدالة الذاتية منسجمةً ومحققةً للعدالة الاجتماعية.