وعلى هذا يظهرُ أنَّ مفهومَ العدالةِ لدى ابن رشد ليس منفصلًا عن مفهومِ التقدم الاجتماعي- التاريخي، فالمبدأ الجوهريُّ ليكونَ الإنسانُ عادلًا، هو مبدأ الشخصية الفاعلة ضمن ذواتٍ اجتماعيةٍ فاعلةٍ، وأنَّ دخولَ الإنسانِ حياته الفاعلة هذه، إنما هو نتاجُ النشاط الإبداعي للذات الإنسانية الوارثة لنتاج الجهد البشري الماضي والمستفيدة والمعممة للتجربة الحالية، والهادفة لاستكمال ذاتها-على جهة الأفضل- مستقبلًا:"وإن ذلك لا يتم إلا"بمعاونةِ السالفِ منها الخالف، فلولا السالف لم يكن الخالف (6) "لذلك، فالوجود الاجتماعي عند ابن رشد- ليس الوجودَ المصاغَ دون تغييرٍ مرةً واحدةً وإلى الأبد، وإنما هو الوجودُ المحولُ"من القوةِ إلى الفعل"بحسب قوانين تحوّلهِ، من قبل الذات الإنسانية- ماضيًا- وحاضرًا- والقابل للتحوّل مستقبلًا."
على نحوٍ يحقق الغائية الإنسانية، بتحقيقها العدالةَ الذاتيةَ والاجتماعية.
وعلى هذا، يتوقفُ تحقيقُ الغايةِ الإنسانية على تحقيق العدالة الذاتية والاجتماعية فالعدالة هي الشرط الأساسي لتحقيق الغاية الإنسانية. فهل يمكن للعدالة أنْ تتحقق؟..
وهنا يَرْبِطُ ابنُ رشد بين تحقيقِ العدالةِ الذاتيةِ والعدالةِ الاجتماعية على نحوٍ جدليّ، معتبرًا أنّ الذاتَ الإنسانية تأتلفُ من ثلاثِ قوى أساسية، لكلٍ منها فضيلتُها الخاصة بها، وتؤلفُ بمجموعِها العدالةَ الذاتية.
أولها: القوة الغاذية، ومكانها البطن، وفضيلتها العفة، وهي وسطٌ بين رذيلتي الإفراط والتفريط، إذْ إنّ الفضيلةَ هي الوسطُ بين رذيلتين.
أمّا القوةُ الثانيةُ: فهي القوة الغضبية، ومكانُها الصدر، وفضيلتُها الشجاعة، وهي الوسط بين الإقدام بلا تروٍ، والإحجام أو الجبن والتخاذل.
والقوة الثالثة: وهي القوة الناطقةُ، ومكانُها الرأس، وفضيلتُها الحكمة.