لم يكن فهمُ ابن رشد للإنسان من بابٍ فرديٍّ انعزاليّ، وإنما من كونه ذاتًا إنسانيةً ضمن وجودٍ اجتماعيٍّ معين، وعلاقاتٍ اجتماعيةٍ معينةٍ:"إن اكتساب الإنسان لأي من فضائله محال، دون معونة الآخرين، إذ إن الإنسان لا يحتاج الآخرين من أجلِ كمالاته الإنسانية فحسب وإنما من أجل ضروراتِ الحياةِ أيضًا" (2) . خاصة وأن الوجود الاجتماعي هو المحدد لمستوى الذات الإنسانية، ويمكن له أن يفقد الإنسانَ إمكانيةَ وجوده الفاعل، في ظروفٍ معينةٍ، وضمن نظام اجتماعي معين، ويمكن-أيضًا- أن يكونَ عاملَ دفعٍ وتحريضٍ لفعاليةِ الإنسان، وصيرورته لتحقيق إنسانيته. وهنا يقول ابن رشد حكمته المأثورة ليس مؤكدًا ألوية الوجود الاجتماعي وثانوية الوجود الذاتي:"ليس الخيرُ والشرُ في طبيعةِ النفوس، وإن الخير والشرَّ في الاجتماع" (3) .
لذلك فالوجود الاجتماعيُّ هو المحدد في العلاقة مع الذات الإنسانية، وإمكانية فعلها، وتطورها من أجل تحقيق إنسانيتها. خاصةً وأنهُ ينظرُ إلى الذاتِ الإنسانية بمنظارين:
أولًا: وجودها في وجودٍ اجتماعي لاختيار لها فيه، فهي منفعلة فيه أولًا، وعلى هذا النحو يمكن تعريفها بأنها"جملة العلاقات الاجتماعية السائدة في المجتمع."
ثانيًا: ولكونها عاقلةً صانعةً، فهي قادرةٌ على عقلنةِ وجودها الاجتماعي وتغييره مما هو بذاته إلى ما هو لذاتها.أي إلى ما هو مناسب لاستكمال ذاتها كذاتٍ إنسانية.
فابن رشد هنا يعتبرُ الذاتَ الإنسانية، محركةٌ للعملية الاجتماعية التاريخية، لكونها تستهدف استكمال ذاتها إنسانيًا باستكمالها الفضائل الإنسانية. وبذلك تحقق عدالتها الذاتية، لكن تحقيقها لعدالتها الذاتية مشروط بتحقيق العدالة الاجتماعية، وهذا مرتبط بتحقيق المجتمع العادل، أي المجتمع الأمثل حسب تعبير ابن رشد.