بهذه المقولةِ الهامة، تبرزُ عبقريةُ ابن رشد، كفيلسوفٍ جدلي، تجاوز أسلافه، وعبّر عن تطلعاتِ مرحلةٍ اجتماعيةٍ حضاريةٍ كاملة، تميزت بتحولاتٍ عميقةٍ في بنى المجتمع العربي الإسلامي الوسيط فهذه المقولة تبيّنُ -وبشكلٍ لا لبس فيه- العلاقة الجدلية المتنامية، وعيًا- وغايةً، وإنجازًا عمليًا، بين الذاتِ الإنسانيةِ الناشطة، وأدواتِ نشاطها، ومستوى إدراكها، والعالم الماديّ، كموضوعٍ للنشاط ضمن إطار الخضوع لمنطق التطور التاريخي.
فعملية عقلنةِ الموجودات وتحويلها من ذاتها لذاتنا، تستلزم وعيًا غائيًا من قبل الذاتِ الإنسانية، ينبثق- الوعي- عبر عملية العمل، وقبلها وبعدها، فالمعرفيُّ الواقعيُّ الغائيُّ يتحولُ إلى ماديٍّ، والماديُّ المحولُ يشترط وجودَ المعرفيّ الغائي. وتتحول العملية إلى موضعةٍ للذات، وتأنيسٍ للموضوع، مع الحفاظ، على أولوية الماديّ وثانوية المعرفي لهذا: فالمعرفي الغائي ينبثق من المادي-كمحاكِ له- عبر ضرورة الفعل الإنساني. والماديُّ يعادُ صوغُه وتجسيدهُ عمليًا معرفيًا، لتحقيق حاجيات الذات الإنسانية"على جهة الضرورة"ولتحقيقِ غايتَها الحياتية"على جهة الأفضل"فتتجسدُ بذلك صيرورة العلاقة الجدلية بين ما هو ماديٌّ ومعرفيٌّ في الذات الإنسانية الفاعلة على نحوٍ غائي، من خلال فهم الطبيعة وقوانين صيرورتها، وتحويلها. وبتحويلها تحولُ الذاتُ الإنسانية ذاتها وتصوغُها بما يحققُ الغايةَ الإنسانية اجتماعيًا تاريخيًا ولكن:"الناس لا يتمُ وجودُهم إلاّ بالاجتماع" (5) .