وهنا تبرزُ مسألةُ العقل عند ابن رشد، وتفصح عن نفسها، فهي ليست مجرد محاكاة لصُور الموجودات من صُورٍ ماديةٍ حسيّةٍ إلى صُورٍ عقليةٍ، وإنما نتبين الكيفية والغاية من ذلك، حينما يعتبرُها قدرةً الإنسانِ على تعقّلِ الموجوداتِ وعقلنتها، أي قدرته على عقلنةِ الموجودات وتحويلها من الوجود بذاتها إلى الوجود لذات الإنسان.
لذلك، فمن عقال الجمل في محاولةِ عقلنتهِ، والسيطرة عليه، وتسخيره، إلى محاولة عقلنةِ الكون بكل موجوداته، وتحويلها عن ذاتها لذاتنا، اتسعَ مفهومُ العقل-عند ابن رشد ليشمَلَ الإنسانَ في وجوده الطبيعي والاجتماعي والذاتي، عبر امتداد وتطاول حواسه شمولًا وعمقًا- وهذا ما نجده ساطعًا أمامنا اليوم، حيث خطت قدما الإنسان وتخطت سطح القمر، ونفذتْ يداهُ أغوارَ الوجودِ، وغيرتُه صُنعًا وتحويلًا، عبر استجلاء أسبابِ تكوّن موجوداته، وامتلاكِ قانونيةِ صيرورتها، من صُورٍ محسوسةٍ وبذاتها، إلى صورةٍ معقولةٍ، إلى صُورةٍ محسوسة مصاغةٍ مجدّدًا ولذاتِنا، بما يحقق غاية الإنسان من وجوده.
ويُبْرِزُ ابنُ رشد أكثر العلاقةِ الجدلية بين المعرفيّ والمادي المصاغ في النشاط الإنساني قائلًا:"ولم تقتصر الطبيعةُ على هذا فقط، أعني أنْ تعطيه مبادئ الفكرة المعينة في العمل، بل ويظهر أنها أعطته مبادئ أخر، ... وهي مبادئ العلوم النظرية، وإذا كان ذلك كذلك، فإنما وجدت هذه القوة من جهةِ الوجود الأفضل مطلقًا، لا الأفضل في وجوده المحسوس فقط... وأنّ فعلها واستكمالها بمعانٍ صناعية" (3) .
وتفصحُ العلاقةُ عن نفسِها أكثر في قوله حينما يقول:"إنَّ أولَ الفكرةِ آخرُ العمل، وأولَ العمل آخرُ الفكرة" (4) .