فهرس الكتاب

الصفحة 15698 من 23694

وبهذا اغتنت فلسفة أرسطو، وتمّ الارتقاء بها، بما يتناسب ومتطلبات التقدم الاجتماعي للمرحلة التي عاشها ابن رشد، فيبرز ذلك كفاحًا متواصلًا له، في مواجهة الفكر"المثالي"لأفلاطون وأفلوطين وشيعتهم، وللجانب التسليمي الجبري والتبريري لفكر الجهمين والأشاعرة، والإمام الغزالي، وبذلك كان فكره مجسِّدًا ومعبِّرًا عن حركة القوى الصاعدة اجتماعيًا- تاريخيًا- في حينه، والمفعم بإرادة التغيير، لتحقيق العدالة الاجتماعية، والعامل الهام في إضعاف جذوة الفكر التسليمي الجبري، الممثل للعلاقات الاجتماعية- الإقطاعية- القبلية-، ومحاولة تكريسها وتأبيدها، من قبل حاملها وحاميها الاجتماعي. لذلك لم يعالج ابنُ رشد مُشْكِلَةَ الإنسانِ، كمفهومٍ مجرد، وإنما عالجها في تشخّصها الاجتماعي، أي أنه تناولها كمقولةٍ اجتماعيةٍ- تاريخيةٍ مشخصةٍ واقعيًا، وعلى نحوٍ موضوعي. فالإنسانُ كائنٌ طبيعيٌّ، يتكون من العناصر الأساسية الأربعة، ترابٍ أوماءٍ- وهواءٍ- ونار، بتمازجٍ معينٍ، وبنسبٍ محددةٍ، في ظروفٍ مواتيةٍ. لذلك فهو من الوجهة البيولوجية خاضعٌ كبقية الموجودات للحتمية الطبيعية، لكنّهُ يتميزُ عنها بأنه عاقلٌ- يَعْقِلُ الموجودات الطبيعيةِ والاجتماعية. أي إنهُ يستطيع أنْ"يحاكي"صورَ الموجوداتِ من صُورٍ ماديةٍ حسيّةٍ إلى صُورٍ معرفيّةٍ في الذهن الإنساني، يقول في ذلك:"ولما كان بعضُ الحيوان-وهو الإنسان- ليس يمكن أنْ يوجدَ بهاتين القوتين -وكان يتحدث عن قوتي الإحساس والتخيل ع. ع- بل وبأنْ تكون له قوةٌ يدركُ بها المعاني مجردةً من الهيولى، ويركبُ بعضَها إلى بعضٍ، ويستنبطُ بعضَها عن بعضٍ، حتى تلتئمَ عن ذلك صنائع كثيرةٌ، ومهنٌ، هي نافعةٌ في وجودهِ، وذلك: إما من جهةِ الاضطرار. وإمّا من جهةِ الأفضل، فالواجبُ ما جُعِلتْ في الإنسان هذه القوة، أعني قوة النطق" (2) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت