فهرس الكتاب

الصفحة 15683 من 23694

كما أن هذه القوانين تتعلق بالعمليات المتبادلة التأثير بين شبكة علميات واتجاهات العلل والمعلولات الرئيسية، فهي ليست كقوانين تخص الطبائع الخاصة الثابتة للأشياء، العليّة عند ابن رشد بسيطة، علة واحدة تؤدي إلى معلول واحد، وهذا قد ينطبق على مجال الحركة الميكانيكية الجزئية للأشياء والموجودات، لكنه لا ينطبق على مختلف مستويات العمليات المعقدة في الواقع، ففي العمليات المتشابكة لانجد أن سببًا واحدًا معينًا يؤدي إلى نتيجة معينة، بل ثمة مجموعة من الأسباب والعمليات تؤدي إلى تكون النتيجة أو الظاهرة، ولايكفي سبب واحد مهما كانت أهميته أساسية في وجود النتيجة أو الظاهرة.

يخلط ابن رشد بين العليّة والضرورة، فالعليّة هي مجموعة العناصر والعمليات المتداخلة التي تؤدي إلى المعلول -النتيجة، أما الضرورة فهي تنبع من الجوهر الداخلي للظواهر، وتعبر عن اتجاهها الجوهري وبنائها وانتظامها وتتابعها، فالضرورة تتضمن العليّة لكنها ليست هي لأن العليّة هي في التعريف خيط في شبكة الضرورة، فالخلط بين العليّة والضرورة يؤدي إلى إنكار الصدفة، ويتشابه رأي ابن رشد في هذا المجال مع رأي (سبينوزا) إلى حد بعيد فالصدفة أو المعجزة برأيهما إذ وجدت فإنها تشير إلى وجود نقص في معرفتنا عن الأشياء والظواهر مثل هذا القول يصح فقط عند الحديث عن العلاقة المباشرة بين العلة والمعلول حيث لامجال للصدفة ولا وجود لمعلول بدون علة. إن الصدفة لا تكون في مجال العلة والمعلول، بل في مجال الضرورة، حيث تعبر الضرورة، عن نفسها بواسطة الصدفة عن طريق التقاء حتميتين في نقطة معينة.

إن إنكار الصدفة يؤدي إلى اعتبار القوانين العلمية قيودًا أبدية حيث ينتفي مجال تأثير النشاط العملي الذي يعتمد على الصدفة، إلا أن الاتجاه الأساسي في مجال التطور لا تحدده الصدفة منظورًا إليه لمدى طويل بل الضرورة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت