وخلاصة الموقف الفقهي الرشدي هي التالية: إن"النظر في كتب القدماء واجب بالشرع"، وإن"من ينهى عن النظر فيها من كان أهلًا للنظر فيها"هو في"غاية الجهل والبعد عن الله تعالى" (11) . هكذا يفتح العقل الفقهي الشرعي الرشدي أبواب النظر أمام العقل الفلسفي. مواجهًا فتوى التحريم بفتوى تحليل وإيجاب.
هذا الموقف من فلسفة الأغيار الذي كان الكندي قد وقفه في رسائله الفلسفية، وتبناه ابن رشد في فصل المقال، على جانب كبير من الأهمية، لأنه يفتح الذات على الآخر بلا عقد، ولأنه يعتبر أن المنجزات الحقية العلمية والفلسفية هي تراث عالمي، يمكن أن تستفيد منه وتستعين به كل الثقافات. ويتصدى ابن رشد لمقولة التوقيف الاحتياطي أو المنع الاحتياطي بحجة احتمال الضرر، لأن من شأن ذلك مدّ المنع على كل الصناعات تقريبًا. فلا يمكن منع النظر في كتب القدماء بحجة أنه"غوى غاو بالنظر فيها أو زلّ زال"، فهذه المضرة لا تلحق من هو أهل للنظر فيها، بل تلحق فقط أراذل الناس الذين"يظن بهم أنهم ضلوا من قبل نظرهم فيها"، وفي كل الأحوال، إن هذا"الضرر الداخل من قبلها هو شيء لحقها بالعرض لا بالذات"، وهذا النوع من الضرر"الذي عرض لهذه الصناعة هو شيء عارض لسائر الصنائع"كالفقه مثلًا،"فكم من فقيه كان الفقه سببًا لقلة تورعه وخوضه في الدنيا" (12) ، ورغم ذلك لم يلزم عن هذا الأمر منع النظر الفقهي.
إن الشرع يوجب النظر في علوم القدماء، لأنه سبيل الهداية لا سبيل الضلال. فالمنطق يقتنص به العلم. وفائدة العلم هي حيازة السعادة الأبدية، هذه السعادة التي هي"المعرفة بالله عز وجل وبمخلوقاته" (13) ، والتي نبهت عليها ودعت إليها شريعتنا الإلهية هذه التي هي حق.
وبما أن هذه المعرفة الفلسفية التي يؤدي إليها النظر البرهاني هي حق أيضًا، فإنها لا يمكن أن تخالف ما ورد به الشرع:"فإن الحق لا يضاد الحشق بل يوافقه ويشهد له" (14) .