فهرس الكتاب

الصفحة 15650 من 23694

إن العقل الشرعي الفقهي الرشدي، بعد أن ألحق العقل الفلسفي، وأزال المخالفة التي يمكن"أن تعرض"، وأبقى على الموافقة التي هي"بالذات"بين الحق الشرعي والحق الفلسفي، أطلق العنان للعقل الفلسفي في العمل على المنطوق الشرعي، وبناء موافقته له بالتأويل عند ظهور أي مخالفة"بين النطق الشرعي"وبين"ما يؤدي إليه النظر البرهاني". وهكذا وضع الشريعة تحت سلطة العقل الفلسفي والنظر البرهاني. إن الموقف الرشدي هذا يمكن أن تترتب عليه نتائج بالغة الأهمية. أنه يتيح تأصيل كل جديد يؤدي إليه النظر البرهاني، ويمكن استنباطه. وليس لقائل أن يقول أن هذا الجديد بدعة بحجة أنه لم يكن في الصدر الأول. هذا الجديد الذي أدى إليه النظر البرهاني وسكت عنه الشرع، هذا المسكوت عنه، هو"بمنزلة ما سكت عنه من الأحكام فاستنبطها الفقيه بالقياس الشرعي" (15) . إن الحكم الرشدي هذا يتيح إمكانية إطلاق عملية تأويل متحركة ومتجددة، تجدد الشريعة مع تجدد النظر البرهاني، وما يؤدي إليه عبر التاريخ. هكذا تستطيع كل الأجيال أن تبني قراءتها ومعرفتها للشريعة بالتوافق مع معارف عصرها ومصالحها. المسكوت عنه يستنبط، والمنطوق به المخالف لما أدى إليه النظر البرهاني يؤول، وابن رشد يقطع قطعًا أن المنطوق به الذي يخالف ظاهره ما أدى إليه البرهان، هذا المنطوق به يقبل التأويل على قانون التأويل العربي (16) . هذا هو قانون ابن رشد من أجل مصالحة دائمة بين النقل والعقل، والأصالة والمعاصرة، والأمور التي من هذا القبيل. إن الفقه الرشدي النظري يسلم الشريعة تسليمًا كاملًا للحكمة، ويتصدى لإزالة كل ما يمكن أن يعيق عملية التوافق بين الفلسفة والشريعة، وتهفيت كل الادعاءات والدعاوي التي ترفع في وجه الفلسفة. فعن السؤال: هل يجوز أن يؤدي البرهان إلى تأويل ما أجمع المسلمون على ظاهره، أو ظاهر ما أجمعوا على تأويله، يجيب ابن رشد بأن الإجماع في المسائل النظرية لا يتقرر بطريق يقيني (17) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت