فهرس الكتاب

الصفحة 15648 من 23694

على غرار الكندي، أفتى ابن رشد بأن النظر في الفلسفة، المبني على علوم المنطق، واجب بالشرع على من كان أهلًا له. فالشرع"حثّ على معرفة الله تعالى وسائر موجوداته بالبرهان (8) ، وهذه هي الفلسفة. إذن، على المؤمن بالشرع أن يمتثل أمر الشرع بالنظر في الموجودات، محصلًا قبل ذلك آلات النظر: علوم المنطق. المؤمن بالشرع عليه أن يتفلسف حكمًا، إذا كان من أهل البرهان، على أن تتم حركة فعله الفلسفي بموجب قوانين المنطق. هكذا أفتى ابن رشد، ليس فقط بشرعية النظر الفلسفي، بل بوجوبه في حق من هو أهل له. ويرفض ابن رشد الموقف الذي يعتبر أن هذا الأمر بدعة بحجة أنه لم يكن في الصدر الأول. إن النظر في الفلسفة ليس بدعة رغم أنه استنبط بعد الصدر الأول، من الأمر الشرعي بالنظر في الموجودات"فاعتبروا يا أولي الأبصار"، تمامًا"كالنظر في القياس الفقهي وأنواعه الذي"هو شيء استنبط بعد الصدر الأول وليس يرى أنه بدعة" (9) . وهكذا يفتح العقل الرشدي، بالاستنباط، باب التجديد على مصراعيه، وليس لقائل أن يقول عن أي جديد إنه بدعة، إذا كان يمكن استنباطه بشكل أو بآخر من الأوامر الشرعية. وهكذا تستطيع كل الأجيال أن تنتج قراءتها المستنبطة للشرع. الأجيال التالية للصدر الأول"عليها أن تنطق بالنصوص"، أن تستنطقها، أن تستنبط منها ما يقتضيه الزمان والمكان.

والأمور التي أوجب الشرع القيام بها ليس علينا أن ننشئها إنشاء بل يمكن الاستعانة عليها بما حققه من سبقنا، يقول ابن رشد، سواء كان هذا السابق مشاركًا لنا في الملة أو غير مشارك (10) . فإذا كان القدماء مثلًا قد نظروا في الموجودات، تفلسفوا فلسفة برهانية، فإن على المتأخر أن يستعين في ذلك بالمتقدم، لأن المعرفة، بكل أنواعها، وعلى رأسها صناعة الصنائع أعني الحكمة، هي نتاج تراكم جهود ورشة تشارك فيها كل الأجيال وكل الملل على مدى التاريخ والجغرافيا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت