وأما الصورة التطبيقية ليقين (ابن رشد) هذا فإنها في الحقيقة تستند إلى مقدمة تقبل النقاش وتستحق الفحص، وذلك لأنها ربما لم تكن برهانية، بل ربما كانت خطابية وفي أحسن الأحوال جدلية. يقول (ابن رشد) عن الشريعة الإسلامية:"إذا كانت هذه الشريعة حقًا، وداعية إلى النظر المؤدي إلى معرفة الحق، فإنا معشر المسلمين نعلم على القطع أنه لا يؤدي النظر البرهاني إلى مخالفة ما ورد به الشرع. فإن الحق لا يضاد الحق بل يوافقه ويشهد له" (18) . وخلاصة هذه المقدمة أن النتائج التي ينتهي إليها النظر البرهاني لا بد أن تكون مطابقة لما يقرره الشرع من حقائق، أو هي على الأقل لا يمكن أن تكون مخالفة له. والظاهر من النص هنا أن النظر البرهاني يقاس على الحقائق الشرعية، أو أن الحقائق البرهانية لا بد لها من أن تكون مطابقة للحقائق الشرعية. ولكن (ابن رشد) عندما يقدم لنا الصورة النظرية العامة التي تسمح بتطبيق هذه المقدمة نراه يقرر أنه"إن أدى النظر البرهاني إلى نحو ما من المعرفة بموجود ما، فلا يخلو ذلك الموجود أن يكون قد سكت عنه في الشرع أو عرف به. فإن سكت عنه، فلا تعارض هنالك، وهو بمنزلة ما سكت عنه من الأحكام فاستنبطها الفقيه بالقياس الشرعي. وإن كانت الشريعة نطقت به، فلا يخلو ظاهر النطق أن يكون موافقًا لما أدى إليه البرهان فيه أو مخالفًا فإن كان موافقًا، فلا قول هنالك. وإن كان مخالفًا، طُلب هنالك تأويله" (19) ومن ذلك يتضح أن (السلطة) النهائية -في نظر (ابن رشد) - إنما هي المعرفة البرهانية، بينما الشرع تابع لها وعليه أن يتكيف لشروطها أو أوضاعها ومقاصده.