ذلك أن المعرفة البرهانية تقف أمام ثلاثة احتمالات، فإما أن تنتهي إلى المعرفة بموجود سكت عنه الشرع، وفي هذه الحالة للمتفلسف أن يستنبط كما يستنبط الفقيه الحقائق أو الأحكام التي لم ترد صراحة في الشرع، والاحتمال الثاني أن تكون المعرفة البرهانية تنتهي إلى موجود أو حقيقة مطابقة للشرع، فلا يكون ثمة مشكلة. والاحتمال الثالث أن تنتهي المعرفة البرهانية إلى ما هو مخالف لظاهر الشرع، فيكون (التأويل) في هذه الحالة ضرورة لا بد منها. ومن ذلك يتضح أن الاحتمال الثالث -احتمال (التأويل) -هو الوساطة أو (السلطة) التي أمكن بها لـ (ابن رشد) أن يوحد الأضداد ويرد المتنوع والمتكثر إلى الهوية والتجانس.
ولكن تبقى الحقيقة هي أن (التأويل يشهد على أن الحقيقة الشرعية هي التي يجب أن ترتد إلى الحقيقة العقلية. وبذلك تكون(السلطة) الأولى في فكر (ابن رشد) هي (سلطة) المعرفة البرهانية والحقيقة العقلية التي تستخدم التأويل من أجل رد كل ما يبدو غير مطابق للعقل إلى العقل، ومن أجل التأكيد على أن السيادة النهائية في العالم إنما هي السيادة للعقل على كل ما عداه وعلى الشريعة أيضًا. ولما كان العقل ومقاييسه وكل براهينه إنما هي إنسانية، فإنه بالوسع، انطلاقًا من هذا الاعتبار النظر إلى (ابن رشد) على أنه مؤسس للنزعة الإنسانية في الثقافة العربية. فليس من معنى لمنح (السلطة) الأولى للعقل من ناحية، وإلحاق الحقيقة الشرعية من ناحية أخرى بعمل العقل وبالحقائق العقلية، إلا أن يكون الإنسان هو النقطة المركزية في هذا العالم وأن تكون سلطته، وبخاصة سلطته العقلية، هي (السلطة) العليا في هذا العالم.
> الصفحة الرئيسية > > صفحة الدوريات > > صفحة الكتب > > جريدة الاسبوع الادبي > > اصدارات جديدة > > معلومات عن الاتحاد >
سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244