فهرس الكتاب

الصفحة 15570 من 23694

وتجاوبًا مع هذا البرنامج قام ابن رشد بشرح معظم مؤلفات أرسطو وكتاب الجمهورية لأفلاطون وحمل على الغزالي والمتكلمين والفقهاء، وقد وجد كل هذا تعبيره النظري في نسقه الفلسفي، وليست تكفي في دراسة علاقة ابن رشد بأرسطو معرفة درجة اندفاعه بعناصر فلسفته، بل ينبغي أيضًا اكتشاف جهده التركيبي الخاص الذي تحكمت به أيديولوجيا جديدة تتمثل في مشكلة عصره ومنصبه في الدولة في استخدام العناصر الأرسطية في صياغة نسق فلسفي جديد، وهنا تكتسب العناصر الأرسطية دلالة جديدة في بنية تفكيره، ورغم أن توما الإكويني أرسطي أيضًا، فإنه كان يتوجس الحذر والخطر من أرسطية ابن رشد. كانت ثنائية تشكل أحد أهم ملامح بنية التفكير الفلسفي عند كل من أفلاطون وأرسطو وأفلوطين، وكان مضمون هذه الثنائية الاجتماعي والأيديولوجي يتفق مع بروز الفصل الحاديين النظر والعمل في عالم اليونان الكلاسيكي، ويتجلى هذا المضمون في الصفة التأملية للمثل الأعلى التي كانت متفاوتة بطبيعة الحال. وحين عجز الإنسان عن السيطرة نظريًا على أزمة العالم القديم، أخذ الوعي الديني يتغلغل في الحياة الروحية، وقد قام القديس توما الإكويني بجهد نظري كبير لتكييف الأرسطية مع المسيحية الكنيسة، فأكد على قوة المثل الأعلى التأملي للحياة، مبينًا بجهد نظري كبير أن السعادة ورجأة الله التأملية هي غاية الحياة الأرضية الزائلة وهنا يظهر التعارض الحاد بين فلسفتي الإكويني وابن رشد بالرغم من انتفاعهما بعناصر وأفكار أرسطية مشتركة كثيرة، ويبدو أن المثل الأعلى الذي يكون فيه الكامل العالم والعامل كما يقول الزمخشري هو مظهر اعتماد سعادة الدارين في نفس المثل الأعلى الشرفي، وإذ كان لوجود علاقة بين العمل والملكية ولغياب المؤسسة الدينية الواحدة المطلقة دور أساسي في بروز هذا الاتجاه الجديد في الثقافة الإسلامية، وهو الاتجاه الذي ولد تعبيرًا متقدمًا عنه في برنامج ابن رشد الحضاري الأيديولوجي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت