وينبغي أن نعلن بين المبادئ التي اعتمد عليها ابن رشد محاولة النظر إلى المجتمع نظرة علمية والبحث في تفسير طبيعي تاريخي لأشكال وضعيات الاجتماع الإنساني والمدني، والإشارة إلى أن الملكية الخاصة نفسها ظاهرة اجتماعية أساسها تجاوز الحق والعداوة والاغتصاب كما جاء في كتاب (جوامع سياسة أفلاطون) .
ثم الإقرار بالوحدانية الإسلامية وبشرف صورته الأولى، وبذات الوقت إعلان سيادة العقل وأهمية الترقي العلمي المتواصل في بلوغ السعادة وتأويل النص الديني عند الضرورة على هدي العقل، وعلى هذا النحو جمع ابن رشد بين عقلانية السياسة المدنية واستقلال النظر الفلسفي الحر والاهتمام الشديد بالعلم الطبيعي والفضيلة العملية لكن مجمل التفكير الفلسفي ينطوي ضمنًا على إحساس بغياب المعرفة الاجتماعية المدنية، أي بكلمة أخرى بغياب ما سيصبح فيما بعد علومًا اجتماعية.
إن الدين في نظرة حق، موجه إلى مدارك الجمهور، وهو حق موجه إلى أطفال كبار في صورة قصص ومثالات تعبر عنها. وعلى من يريد معرفة الله وموجوداته معرفة برهانية أن يعرف آلة النظر الفلسفية البرهانية، أي المنطق، وعلاقة الحكمة بالشريعة هي علاقة حق يوافقه حق ويشهد له، ومن هنا من الناحية النظرية حملته على المتكلمين الذين لم يدركوا أن حقيقة الشريعة تصل إلى أسفل صورها في حقيقة الفلسفة البرهانية وتغدو على هذا النحو موافقة لمصلحة الأخلاق والدولة ومناسبة للازدهار الحضاري والثقافي في المجتمع.
إن هذا البرنامج الأيديولوجي الحضاري يتعارض جذريًا مع استقرار النظام الإقطاعي القائم على الاقتصاد الطبيعي المعيق لحيوية اقتصاد المدينة وثقافتها، كما يتعارض مع استقرار مؤسساته الأيديولوجية الممثلة بالمتكلمين والفقهاء.