فهرس الكتاب

الصفحة 15567 من 23694

وفي عصر النهضة الذي تعرض فيه المثل الأعلى التأملي لنقد عنيف وأنجب رجالًا يضمون إلى قوة الفكر براعة اليد وحيوية النظرة الحسية، كان للتمهيد الذي قدمته الرشدية دور كبير في إزالة المثل الأعلى القروسطي التأملي، ولم تكن الرشدية سوى تجسيد أو صورة للمثل الأعلى الجديد الذي يقرب ويجمع بين النظر والعمل، فحتى المتصوف العربي (ابن عربي) الذي يختلف مع ابن رشد في أمور كثيرة يقول في الذين ينعدم الوجود في حقهم فلا يرون إلا الله يقول:"نقصهم من الحق على قدر ما انحجب عنهم من العالم"، وقد عبر عن هذا المثل الأعلى الجديد الزمخشري في أطواق الذهب (الكامل هو العالم العامل) .

ثانيًا: إن الحياة المدنية السياسية هي وحدها الجديرة بالإنسان والمتفقة مع حقيقته الاجتماعية الأصلية، ويعارض ابن رشد هنا مبدئيًا أيديولوجيا القرون الوسطى الأوربية التي يعدها مفكر مثل نيتشه لا سياسية ولا مدنية في ظاهرها.

وقد كان لتطوير ابن رشد دراساته في النفس والاتصال بين الإنسان والعقل الفعال دور أساسي في تعزيز أسس الحياة المدنية السياسية وإضفاء طابع عميق على الصفة الاجتماعية المدنية للوجود الإنساني الواقعي، ولا تكون المدينة الفاضلة عند ابن رشد ممكنة، إلا إذا اعتمدت أولًا على المركزية، فللدولة رئاسة أولى تكون فيها أفعال الرئاسات الأخرى تابعة لفعل الرئيس الأول ومتعاونة فيما بينها على سياسة المدينة الفاضلة، والمركزية تقتضي الاعتزاز بالسياسة والقضاء على الفوضى القائمة على المدن المنزلية السريعة البوار، أو على الاقتصاد الطبيعي المغلق، وبهذا يؤكد ابن رشد معارضته للشكل الضيق من العلاقات الإقطاعية الذي لا يتفق مع ازدهار اقتصاد المدينة التجاري وتوطد المركزية السياسية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت