لقد قادت ابن رشد نزعته العقلية إلى القول بأن الله قد خلق لنا قوى نستطيع بها اكتساب أشياء هي أضداد. لكن لما كان الاكتساب لتلك الأشياء ليس يتم لنا إلا بمواتاة الأسباب التي سخرها لنا الله من خارج وزوال العوائق عنها، كانت الأفعال المنسوبة إلينا تتم بالأمرين معًا، وإذا كان ذلك كذلك فالأفعال المنسوبة إلينا أيضًا يتم فعلها بإرادتنا، وموافقة الأفعال التي من خارج لها وهي المعبر عنها بقدر الله. وهذه الأسباب التي سخرها الله لنا من خارج ليست هي متممة للأفعال التي نروم فعلها أوعائقة عنها فقط، بل هي السبب في أن نريد أحد المتقابلين.
فالإرادة، إنما هي شوق يحدث لنا عن تخيل ما، أو تصديق بشيء، وهذا التصديق ليس هو لاختيارنا بل هو شيء يعرض لنا عن الأمور التي من الخارج.
مثال ذلك أنه إذا ورد علينا أمر مشتهى من خارج اشتهيناه بالضرورة من غير اختيار فتحركنا إليه، وكذلك إذا طرأ علينا أمر مهروب عنه من خارج كرهناه باضطرار فهربنا منه. وإذن يجب الربط بين الإرادة الداخلية والعالم الخارجي عن طريق الاعتقاد بأن الأسباب التي من خارج تجري على نظام محدد وضروري طالما أن كل شيء في العالم لابد أن يرتد إلى أسبابه الضرورية المجددة (29) .
وهكذا فإن فكرة القضاء والقدر تعود إلى فكرة السببية. فإذا كانت إرادتنا تجري على نظام محدود، وكان ماضي العالم الخارجي يجري أيضًا على هذا النظام، فإن هذا يقوم وفقًا لقانون السببية الشامل.