فهرس الكتاب

الصفحة 15560 من 23694

أما الأشعرية فقد راموا أن يأتوا بقول وسط بين القولين فقالوا إن للإنسان كسبًا، وإن المكتسب به والكسب مخلوقان لله تعالى. لكن ذلك لا معنى له بحسب ابن رشد، فإذا كان الاكتساب والمكتسب مخلوقين لله فالعبد ولابد مجبور على أفعاله (27) .

أما في الحالة الثانية (تعارض الأدلة العقلية) فإننا إذا فرضنا أن الإنسان موجد لأفعاله وخالق لها، فلابد أن تكون هناك أفعال لا تجري على مشيئة الله واختياره، فيكون ههنا خالق غير الله.وهذا لا يتفق مع ما أجمع عليه المسلمون. أما إذا فرضنا أنه غير مكتسب لأفعاله. وجب أن يكون مجبورًا عليها، وهذا يدخل في باب مالا يطاق، وإذا كلف الإنسان مالا يطاق لم يكن فرق بين تكليفه وتكليف الجماد الذي ليس له استطاعة. وعندها يكون الأمر بترك الشرور لا معنى له، وكذلك الأمر باجتلاب الخيراتِ، كما تبطل أيضًا الصنائع التي يقصد منها الحفظ ودفع المضار كصناعة الحرب والملاحة والطب. ولاشك أن ذلك كله يعتبر خروجًا عما يعقله الإنسان (28) .

وإذن ما الحل؟ وكيف يمكن الخروج من هذا المأزق، دون أن نضحي بقضاء الله وقدره من جهة ولا بحرية الإرادة الإنسانية من جهة أخرى؟ أو لنقل بمعنى آخر، كيف يكون في مقدور ابن رشد الاستمرار بالإلتزام بقانون السببية الشامل، ويضمن في الوقت نفسه للإنسان حريته في أفعاله في قلب نظام ترابط العلاقات الضروري للطبيعة؟

وقد نطرح السؤال بصيغة ثالثة فنقول: كيف يمكن لابن رشد أن يوفق بين نظام الضرورة ونظام الحرية؟ وهل أجازف فأقول إن الحل عنده هو نفسه الحل الذي أتى به الفيلسوف الهولندي، اسبينوزا بعد ذلك التاريخ بخمسة قرون، ثم أنجلز بعد ذلك بأكثر من قرنين، ألا وهو"إن الحرية هي وعي الضرورة".

يبدو لي أن دلالة عبارة (والراسخون في العلم) تتجلى أكثر ما تتجلى في هذه المسألة. إذ أن إعمال العقل هو وحده الضامن للخروج من هذا المأزق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت