فهرس الكتاب

الصفحة 15559 من 23694

ولو لم يكن لموجود موجود فعل يخصه، لم يكن له طبيعة تخصه، ولو لم يكن له طبيعة تخصه، لما كان له اسم يخصه ولا حد، وكانت الأشياء كلّها شيئًا واحدًا، ولا شيئًا واحدًا، لأن ذلك الواحد يُسأل عنه: هل له فعل واحد يخصه، أو انفعال يخصه. أو ليس له ذلك، فإن كان له فعل يخصه فهنا أفعال خاصة صادرة عن طبائع خاصة. وإن لم يكن له فعل يخصه واحد، فالواحد ليس بواحد. وإذا ارتفعت طبيعة الواحد، ارتفعت طبيعة الموجود. وإذا ارتفعت طبيعة الموجود لزم العدم" (25) ."

لقد توهم أولئك الخصوم بأن الشريعة لا يصح اعتقادها إلا بهذا الوضع وأشباهه الذي أساسه أن لأفعال الموجودات كلِّها فاعلًا واحدًا بلا وساطة لها هو الله، فألزمهم ذلك ألا يكون لموجود من الموجودات فعل خاص طبعه الله عليه، والحق أنّ الذي قادهم إلى ذلك إنما هو، بحسب ابن رشد، يسدُّ باب النظر، الأمر الذي أوقعهم في هذه المغالطات الفاحشة، وجعلهم يسيئون للشريعة في الوقت الذي يعتقدون فيه أنهم يدافعون عنها (26) .

وإذا انتقلنا إلى معالجة ابن رشد لمسألة علاقة الإنسان بالطبيعة، فإننا سنكتشف إلى أي حد ظل مخلصًا لقانون السببية الشامل حتى في هذه المسألة التي تعد من أعوص المسائل على البحث العقلي، والتي بسببها انقسم المسلمون إلى فرق وصل الخلاف فيما بينها إلى حد التعارض.

فالمعروف بالنسبة له أن أدلة السمع وأيضًا الأدلة العقلية متعارضة تمامًا حول هذه المسألة. ففي الحالة الأولى تلقى آيات كثيرةً تدل بعمومها على أن كل شيء بقدر، وأن الإنسان مجبور على أفعاله، لكنك تلقى آياتٍ أخرى كثيرة أيضًا تدل على أن للإنسان اكتسابًا بفعله، وأنه حر في أفعاله، وبسبب ذلك افترق المسلمون إلى فرقتين؛ فرقة اعتقدت أن اكتساب الإنسان هو سبب المعصية والحسنة، ولذلك ترتب عليه العقاب والثواب، أما الفرقة الثانية فقد اعتقدت نقيض ذلك، وهو أن الإنسان مجبر على أفعاله، وهم الجبرية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت