فهرس الكتاب

الصفحة 15558 من 23694

ويبدو أن الخطأ الذي وقع فيه خصومه، وقلل من أهمية الطبيعة العلمية لتفكيرهم، وتفكك نظامهم المعرفي الذي أوقعهم في هذه المآزق المشار إليها آنفًا، إنما هو، بحسب ابن رشد، أنهم فسروا الطبيعة بمبادئ علم مابعد الطبيعة، في حين كان الأولى بهم أن يتسلموا هذه المبادئ من العلم الطبيعي ليبنوا عليه علم مابعد الطبيعة (22) . وهذا هو بالضبط ماقام به مما أكسب نزعته العقلية فاعلية واتساقًا شديدين هيآ له الشروط التي تجعله بحق رائد العقلانية العلمية الصارمة.

ولأنه فعل ذلك فقد استطاع أن يعزز مشروعية عقلانيته، ويجعل تفنيد حججه أمرًا متعذرًا إلى حد كبير. ويكفي للتدليل على صحة ذلك عقد مقارنة بين تفسير خصومه وتفسيره هو للطبيعة.

فبينما ينكر أولئك الخصوم، متوهمين أن الشريعة لا يصح اعتقادها إلا بهذا الوضع وأشباهه، وجود الطبائع، والقوى، والضروريات الموجودة في طبيعة الإنسان، ويجعلونها كلّها من باب الممكن، وكذلك الأسباب المحسوسة الفاعلة -والضرورة المعتدلة بين الأسباب والمسببات (23) ، يرى هو أن الموجود لا يفهم إلا من قبل أسبابه الذاتية. إذ بدونها لا نستطيع تمييز موجود عن موجود، ولا التفرقة بين مادة وأخرى. فالنار مثلًا لها فعل معين وكذلك الماء. وبدون هذه الأسباب الذاتية والصفات الجوهرية لكل مادة على حدة تكون الأشياء كلُّها شيئًا واحدًا؛ إذ سترتفع طبيعة الموجود في هذه الحالة. وإذا ارتفعت طبيعة الموجود أدى بنا هذا إلى العدم (24) .

يقول ابن رشد:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت