وقد سفّه ابن رشد كل من ينكر هذه العلاقة الضرورية بين الأسباب والمسببات، واعتبره أما جاحدًا بلسانه لما في جنانه، وإما منقادًا لشبهة سفسطائية عرضت له في ذلك. ووفقًا له فإن من ينفي ذلك فليس يقدر أن يعترف أن كل فعل لابد له من فاعل (19) .
وآية ذلك أن فكرة الجواز هذه مبطلة للحكمة بشكل عام، ولحكمة الصانع بشكل خاص. فهي مبطلة للحكمة لأن الحكمة ليست شيئًا أكثر من معرفة أسباب الشيء. وإذا لم تكن للشيء أسباب ضرورية تقتضي وجوده على الصفة التي هو بها ذلك النوع موجود فليس ههنا معرفة يختص بها الحكيم دون غيره. وهي مبطلة لحكمة الصانع لأنه لو لم تكن ههنا أسباب ضرورية في وجود الأمور المصنوعة لم تكن هناك صناعة، وأصلًا لا حكمة تنسب إلى الصانع دون من ليس بصانع.
إذ أي حكمة تكون في الإنسان لو كانت جميع أفعاله وأعماله يمكن أن تتأتى بأي عضو اتفق، أو بغير عضو، حتى يكون الإبصار يتأتى مثلًا بالأذن، كما يتأتى بالعين، والشم بالعين، كما يتأتى بالأنف.
لاشك أن هذا كله إبطال للحكمة، وإبطال للمعنى الذي سمى به نفسه حكيمًا تعالى عن ذلك (20) .
ومن جهة أخرى فإن مثل هذا القول مبطل للعلم أيضًا. فصناعة المنطق تضع وضعًا أن ها هنا أسبابًا ومسببات، وأن المعرفة بتلك المسببات لا تكون على التمام إلا بمعرفة أسبابها. ورفع هذه المسببات مبطل للعلم ورافع له، إذ يلزم أن لا يكون هاهنا شيء معلوم أصلًا علمًا حقيقيًا، بل إن كان ثمة علم فهو علم مظنون.
كما لا يكون ها هنا برهان ولا حدّ. وترتفع أصناف المحمولات الذاتية التي تأتلف منها البراهين. وبالتالي فإن من يذهب إلى عدم وجود أي علم ضروري، يلزمه أن لا يكون قوله هذا ضروريًا (21) .