فهرس الكتاب

الصفحة 15556 من 23694

فعلماء الكلام يؤمنون بآراء معينة بناء على اعتقادات سابقة يجعلون همهم نصرتها وتأييدها، سواء تم هذا لهم عن طريق الأقاويل السوفسطائية أو الجدلية أو الخطابية أو الشعرية، بحيث صارت هذه الأقاويل عند من نشأ على سماعها من الأمور المعروفة بنفسها (15) . أي أنهم ينطلقون من منطلقات غير يقينية، ولا يهمهم التدقيق بصحتها.

أما الصوفية فإن طرقهم في النظر ليست طرقًا نظرية أعني مركبة من مقدمات وأقيسة -وإنما يزعمون أن المعرفة بالله وبغيره من الموجودات شيء يلقى في النفس عند تجريدها من العوارض الشهوانية، وإقبالها بالفكرة على المطلوب (16) .

وبناء على ذلك فإنه لا يمكن إقامة البرهان على أي قول من أقوالهم، إذ أنها لا تعدو كونها نزعاتٍ شخصيةً وجدانيةً لا تستقيم مع قضايا العقل.

والأخطر من ذلك أن الصوفية، بزعمها أن طريق الاتصال على النحو المذكور يؤدي إلى كمال إلهي للإنسان -إنما يقلبون الوضع الطبيعي، رأسًا على عقب. والصحيح في نظره هو أن الكمال الطبيعي إنما هو الصعود من الوجود المحسوس إلى المعقول، وهذا لا يتأتى إلا عبر الملكات التي عددت في كتاب البرهان (17) .

2 -نظام الطبيعة وعلاقة الإنسان بها:

تتجلى النزعة العقلية عند ابن رشد أكثر ما تتجلى، في هذا المجال، في أن قانون العلاقات السببية الشامل هو الأساس العقلي الذي بنى عليه تصوره لوجود نظام محكم من العلاقات الضرورية بين الأسباب والمسببات في الطبيعة، حيث لا مكان فيها للاتفاق العرضي أو الجواز أو الإمكان، ولا حتى للخوارق والمعجزات.

وقد بلغ به الأمر إلى الحد الذي ساوى فيه بين العقل وبين المعرفة بالسبب؛ حيث أكد أن العقل ليس شيئًا أكثر من إدراك الموجودات بأسبابها، والذي به يفترق عن سائر القوى المدركة الأخرى. وبناء عليه فإن من رفع الأسباب فقد رفع العقل. (18)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت