على أن ابن رشد، في تعويله على البرهان كطريق وحيد للبحث في الحقيقة، لم يكن يفعل ذلك اعتباطًا ودونما تسويغ، وإنما توصل إليه عبر بذل المزيد من الجهد والبحث والتنقيب وسعة الاطلاع؛ بحيث لم يترك أي مجال للطعن في مشروعيته. وقد سلك في إثبات ذلك مسلكين؛ مسلك الشرع ومسلك العقل. ففي الحالة الأولى بين أن ثمة مسائل نظرية سلكت عنها الشرع لكنه نبّه على مايؤدي إليه البرهان فيها، وسكت عنها في التعليم العام (12) .
وآية ذلك أنه لما كان يوجد من ليس لديهم القدرة على ولوج طريق البرهان إما من قبل فطرهم، وإما من قبل عاداتهم، وإما من قبل عدمهم أسباب التعليم،، وكانت توجد أشياء لخفائها لا تُعلم إلا بالبرهان، فقد تلطف الله بأمثال هؤلاء بأن ضرب لهم، أمثالها وأشباهها، ودعاهم إلى التصديق بتلك الأمثال إذا كانت يمكن أن يقع التصديق بها بالأدلة المشتركة للجميع، أعني الجدلية والخطابية، ولهذا فقد انقسم الشرع إلى ظاهر وباطن، فإن الظاهر هو تلك الأمثال المضروبة لتلك المعاني، والباطن هو تلك المعاني التي لاتنجلي إلا لأهل البرهان (13) .
وقد حضّ الشرع على إعمال العقل بهذه الأخيرة، ولن يتم ذلك، إلا بانتهاج طريق الفلسفة، بوصفها التي عن طريقها تتحقق معرفة تلك المعاني.
يقول ابن رشد:"إن الفلسفة إذا كانت عبارة عن النظر في الموجودات واعتبارها من جهة دلالتها على الصانع، وأن الموجودات تدل على الصانع لمعرفة صنعتها، وكلما كانت المعرفة بصنعتها أتم كانت المعرفة بالصانع أتم، فإن هذا يؤدي إلى القول بأن الشرع قد دعا إلى اعتبار الموجودات بالعقل وتطلّب معرفتها به (14) ."
أما في الحالة الثانية فإن الأسس التي بنى عليها ابن رشد نقده لعلم الكلام والتصوف والطرق الأخرى تبين إلى أي حد كان يقف على أرض صلبة في تسويغ نزعته العقلية. الصارمة.