فهرس الكتاب

الصفحة 15554 من 23694

يقول ابن رشد، في معرض رده على الغزالي الذي قطع بتكفير الفلاسفة خوف الاجماع في قولهم بقدم العالم، وبأن الله لا يعلم الجزئيات، وفي تأويلهم لما جاء في حشر الأجساد وأحوال المعاد:"ليس يمكن أن يتقرر إجماع في أمثال هذه المسائل... لأن ههنا تأويلات لا يجب أن يُفصح بها إلا لمن هو من أهم التأويل، وهم الراسخون في العلم، لأن الاختيار عندنا هو الوقوف على قوله تعالى: (والراسخون في العلم) لأنه إذا لم يكن أهل العلم يعلمون التأويل لم تكن عندهم مزية تصديق توجب لهم من الإيمان به مالا يوجد عند غير أهل العلم. وقد وصفهم الله تعالى بأنهم المؤمنون به. وهذا إنما يحمل على الإيمان الذي يكون من قبل البرهان. وهذا لا يكون إلا مع العلم بالتأويل."

فإن كان هذا الإيمان الذي وصف الله به العلماء خاصًا بهم فيجب أن يكون بالبرهان. وإذا كان بالبرهان فلا يكون إلا مع العلم بالتأويل، لأن الله عز وجل قد أخبر أن لها تأويلًا هو الحقيقة، والبرهان لا يكون إلا على الحقيقة" (9) ."

وعلى هذا النحو يكون ابن رشد قد أعلى كلمة العقل فوق كل كلمة، ولم يرتضِ بالبرهان بديلًا. فهو في نظره الحكمة بعينها. وكل طريق آخر للمعرفة يبدو قاصرًا في نظره. وهذا مايكشف عنه قوله:"إن الحكمة هي النظر في الأشياء بحسب ماتقتضيه طبيعة البرهان" (10) .

ولهذا تراه يعترض على كافة الطرق المعرفية الأخرى على أساس أنها غير مؤهلة للوصول بنا إلى معرفة الحقيقة؛ كالطريق الجدلي الكلامي والطريق الصوفي، وطريق التأويل الخطابي.

ونتيجة لذلك تصبح الفلسفة عنده تجربة بشرية تتعاورها الأمم والأجيال، ويسهم المتقدم والمتأخر في تشييد صرحها، وإعلاء كلمتها وإكمال بنائها؛ إذ أنها أسمى صور الحق، لأنها في الوقت ذاته أسمى دين (11) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت