فهرس الكتاب

الصفحة 15551 من 23694

لكن قد يعترض علينا بالقول إن مسعى ابن رشد في الكشف عن الحقيقة إنما كان يرمي إلى التوفيق بين الحقيقتين الدينية والفلسفية، أو بين طريق النقل وطريق العقل. ومن كان هذا مسعاه فلا يمكن أن تكون الحقيقة عنده هي التي يتم الكشف عنها بالطريق البرهاني فحسب، لاسيما وأن ثمة من النصوص المنتشرة في كتاباته مايمكن بالاعتماد عليها الزعم بأنه كان يرمي إلى التوفيق بين المسلكين، وإذن أفلا يتناقض هذا الجزم بأحادية طريقة الكشف عن الحقيقة عنده مع تلك النصوص، ويعتبر محاولة بائسة لتفسير ابن رشد وفقًا لرغباتنا؟

بداية لابد من التنبيه، قبل الرد على هذا الاعتراض، إلى أنني لا أسعى إلى التدليل على أن ابن رشد كان غير عابئ بالشرح، أو رافضًا له، وإنما الذي يعنيني أن أدلل عليه هو أنه لم يكن يقبل أن ينطلق العقل إلا من منطلقه الخاص، ولم يكن يؤمن إلا بما يتوصل إليه عبر هذا الطريق وحده وأنه في كل مجال من مجالات الفلسفة ظل متمسكًا بنزعته العقلية هذه، أما إذا بدا أن هناك دلائل أخرى أو نصوصًا يفهم منها أنه كان لديه مسلك آخر، فليس ذلك سوى مظلة كان مضطرًا إلى الاحتماء بها خوفًا من البطش الذي كان يتهدد كل من يحاول سلوك طريق الاستقلال.

يقول ابن رشد:"وإذا تقرّر أن الشرع قد أوجب النظر بالعقل في الموجودات واعتبارها، وكان الاعتبار ليس شيئًا أكثر من استنباط المجهول من المعلوم واستخراجه منه وهذا هو القياس، أو بالقياس؛ فواجب أن نجعل نظرنا في الموجودات بالقياس العقلي. وبيّن أنّ هذا النحو من النظر هو أتمّ أنواع النظر بأنواع القياس -وهو المسمى برهانًا- وإذا كان الشرع قد حث على معرفة الله تعالى وموجوداته بالبرهان، كان من الأفضل -أو الأمر الضروري- لمن أراد أن يعلم... أن يتقدم أولًا فيعلم أنواع البراهين وشروطها" (4) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت