فهرس الكتاب

الصفحة 15550 من 23694

ويمكن التدليل على عمق نزعته العقلية المذكورة، وصرامتها في مسائل كثيرة، لكننا سنقتصر في تناولها على اثنتين منها هما: منهج البحث في الحقيقة، ونظام الطبيعة وعلاقة الإنسان بها.

1-منهج البحث في الحقيقة:

لقد حذا ابن رشد حذو أسلافه في تقرير أن الحقيقة التي يتم التوصل إليها بالنظر العقلي، أو عن طريق الفلسفة والمعنى واحد، هي الحقيقة الوحيدة التي تسمو على الحدود القومية والدينية. وهي تراث مشترك بين الأمم على مر العصور والأجيال، أسهم في الكشف عن جانب منها السابقون، ونال منها اللاحقون، وستظل تبنى لبنة لبنة طالما توجد عقول.

وبسبب سعة الأفق هذه، قال: يجب علينا إن ألقينا لمن تقدمنا من الأمم السالفة نظرًا في الموجودات واعتبارًا لها بحسب ما اقتضته شرائط البرهان، أن ننظر في الذي قالوه من ذلك، وما أثبتوه في كتبهم، فما كان منها موافقًا للحق [ولم يقل للشرع] قبلناه منهم، وسررنا به، وشكرناهم عليه، وماكان منها غير موافق للحق نبهنا عليه، وحذرنا منه، وعذرناهم (2) ، على أن الأهم من ذلك، والذي يعبّر بحق عن نزعته العقلية الصارمة، هو أن الحقيقة المذكورة، أي التي يتم التوصل إليها بالبرهان أو بالقياس العقلي، إنما هي وحدها التي تتصف باليقين. وكل ماعداها من حقائق فإنما يقع في باب الظن. فقد قال:"إن الفقيه إنما عنده قياس ظني، والعارف [أي صاحب العلم بالبرهان] عنده قياس يقيني (3) ."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت