فهرس الكتاب

الصفحة 15552 من 23694

وإيمانًا منه بواحدية الطريق (الذي هو طريق البرهان) في الكشف عن الحقيقة فقد حسم ابن رشد حسمًا قاطعًا المسألة التي طال الجدل حولها دونما لبس ولا مواربة [مسألة التوفيق] ؛ إذ أعلن بصريح العبارة تقديم الفلسفة على الشريعة، واتفاق الأخيرة مع الأولى، وليس العكس.

فقد قال:"نحن نقطع قطعًا أن كل ما أدّى إليه البرهان وخالفه ظاهر الشرع أن ذلك الظاهر يقبل التأويل على قانون التأويل العربي وهذه القضية لا يشك فيها مسلم، ولا يرتاب بها مؤمن، وما أعظم ازدياد اليقين بها عند من زاول هذا المعنى وجرّبه، وقصد هذا المقصد من الجمع بين المعقول والمنقول" (5) .

بمعنى آخر أقول إن المطلوب عند ابن رشد إنما هو تأويل الشرع بمايتفق مع البرهان إن تصادف أن خالف ظاهر مانطقت به الشريعة ذلك البرهان، وليس العكس. وإن دلّ هذا على شيء فإنما يدل على أن الأصل في الكشف عن الحقيقة إنما هو طريق البرهان.

والحق إنه كان واضحًا جدًا في تقرير هذه المسألة. فقد قال:"فإن أدى النظر البرهاني إلى نحو ما من المعرفة بموجود ما، فلا يخلو ذلك الموجود أن يكون قد سكت عنه في الشرع أو عُرف به....فإن كانت الشريعة نطقت به فلا يخلو ظاهر النطق أن يكون موافقًا لما أدى إليه البرهان فيه أو مخالفًا، فإن كان موافقًا فلا قول هناك، وإن كان مخالفًا طُلب هناك تأويله (6) ."

وهنا نتساءل: إذا كان يتعين على الشرع أن يُؤول بمايتفق مع البرهان بحيث يصبح موافقًا له، فهل ثمة من حاجة بنا لاختيار طريق آخر للكشف عن الحقيقة غير طريق العقل؟

وإذا كان الأمر كذلك فهل تعني مسألة"التوفيق بين الفلسفة والشريعة"، أكثر من أنها مظلة كان لابد من الاحتماء بها خوفًا من البطش؟!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت