إن لدينا تراثًا عربيًا مدونًا لثلاثمئة عام قبل الإسلام فضلًا عن التراث المجهول والذي يمكن البحث عنه، بل ينبغي ذلك قبل هذا التاريخ بآلاف السنين، وتوسيع حدود رؤيتنا للتراث لتشمل التراث العربي القديم، وليس التراث العربي الإسلامي فحسب، تلك ضرورة معرفية لا غنى عنها لبناء نظرية تراثية متكاملة فالحضارة العربية ترجع في جذورها إلى عصور بالغة القدم تدل على ذلك الكشوف الأثرية والتاريخية الحديثة التي تثبت اتصال التراث العربي بحضارات مصرية وبابلية وآشورية وفينيقية.
ولابد من الاعتراف بأن المجتمع العربي الراهن يبتعد يومًا بعد يوم عن المناخ الذي يسمح بالعقلانية والديمقراطية وازدهار التفكير العلمي. بسبب جو الأمية المتفشية التي لم ينجح أي بلد عربي في استئصالها، وهيمنة الاتجاهات الظلامية المعادية للعلم على قطاعات واسعة من الناس في المجتمع العربي. وهي هيمنة تدعمها السلطات الساسية في بعض البلدان العربية بوصفها وسيلة ناجعة لتهدئة الخواطر.
وإن دائرة المقدس في التراث تتسع لتشمل -عدا القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة- المأثور عن المحدثين والمفسرين والفقهاء وعلماء الكلام، وأئمة المذاهب والطرق والأولياء، ونتيجة لذلك يسبغ بعض المتشددين صفة القداسة عمدًا أو من دون قصد على كثير من نصوص التراث التي هي في الحقيقة جهد بشري مرهون بعصره، وقابل للمناقشة حتى من وجهة النظر الدينية نفسها. وهم يرون أن على دارس التراث أن يتجنب مناقشتها. والإ عرّض نفسه لتهمة الكفر والزندقة.