فهرس الكتاب

الصفحة 15495 من 23694

وعلى الرغم من أن كل دراسة حديثة للتراث تعكس موقفًا من العصر الراهن وحضارته فإن هذ الدراسة تنظر إلى التراث بوصفه ظواهر مكتملة تنتمي إلى الماضي وتمارس في تقديم تصوراتها عنه: مما يؤدي إلى انتقائية تنتج وعيًا زائفًا بالتراث وتطمس جوانب هامة من حقيقته، وتقود إلى الاعتقاد بثبات الثقافة العربية الإسلامية وتوقفها عن التطور والتغيير. وهذه خرافة كبرى، ابتدعها الاستشراق كأداة لترسيخ النظرة المركزية الأوربية... وتوطيد رغبة الغرب"المتقدم"في فرض إرادته على الشرق"المتخلف".

لقد أدى اعتبار الفكر الديني واللغوي المدون محور الحضارة العربية الإسلامية ومركزها، واعتبار كل ماعداه علومًا دخيلة وامتدادًا للتراث الفكري اليوناني أو الفارسي. إلى إلغاء البعد المادي لحضارة البلدان المفتوحة التي استمرت في الوجود بعد الفتح الإسلامي.

كما أدى ميل معظم الدراسات التراثية المعاصرة إلى فهم مصطلح"عرب"بوصفه اسمًا يدل على العرب المسلمين الفاتحين ومن هاجر معهم أو بعدهم من الجزيرة العربية إلى البلدان المفتوحة إلى إخراج سكان البلاد المفتوحة من العروبة.

تُظهر الملاحظات السابقة ضرورة البحث عن تحديد للتراث يتصف بالشمولية ويضم إلى جانب التراث المخزون في المكتبات من إبداع الأفراد الأعلام أشكال التراث غير الكلامية وألوان الثقافة الشعبية، ويذهب في بدايته إلى ماهو أبعد من العصر الجاهلي ويتجنب المبالغة في إبراز الوجه الديني للتراث ويتجاوز النظرة السكونية التي ترى فيه ظواهر مكتملة تنتمي إلى ماض محدد.

بعبارة أخرى يجب أن يشتمل فهمها للتراث مانجده في المدونات والمتاحف. وماهو حي لا يزال يؤدي إلى رقي حياة المجتمع المعاصر، لأن القطيعة بين هذين الوجهين للتراث ستكون تعسفية ومضللة، فالعلاقة بين الوجه التاريخي للتراث ووجهه الحي تظل قائمة دائمًا. لأن حضارة الجماعة لا تنقطع وإنما تتجدد عناصرها من حين لآخر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت