ومنهم شقيق البلخي -رحمه الله- (ت 194هـ) صحب إبراهيم بن أدهم وأخذ عنه الطريق. قال حاتم الأصم: كنا مع شقيق نحارب التُرك، في يوم لا تُرى إلا رؤوس تطير، ورماح تُقصف، وسيوف تُقطع فقال لي: كيف ترى نفسك ياحاتم في هذا اليوم؟! تراه مثل ماكنت في الليلة التي زُفّت إليك امرأتك؟؟ قال: لا والله. قال: لكني والله، أرى نفسي في هذا اليوم مثل ماكنتُ تلك الليلة. واستشهد شقيق في غزاة كوملان (30) فيما وراء النهر.
وحكاية أخرى عن شقيق البلخي نرويها هنا للفائدة، قال: خرجنا في غزاة لنا في ليلة مخوفة، فإذا رجل نائم، فأيقظناه، فقلنا: تنام في مثل هذا المكان؟! فرفع رأسه وقال: إني لأستحي من ذي العرش أن يعلم أني أخاف شيئًا دونه.
ومنهم علي بن بكّار -رحمه الله- (ت199هـ) ، سكن ثغر المصيصة مرابطًا إلى أن مات بها. وصفه صاحب الحلية بـ"المرابط الصبّار، والمجاهد الكرّار، كان يصلي الغداة بوضوء العتمة".
قال ابن الجوزي: بلغنا عن علي بن بكار أنه طعن في بعض مغازيه، فخرجت أمعاؤه، فردها إلى بطنه، وشدها بالعمامة، إلى أن قتل ثلاثة عشر علجًا" (31) ."
ومنهم عبد الله بن المبارك -رحمه الله- (ت 181هـ) قال عنه صاحب تاريخ بغداد:"كان من الربانيين في العلم، ومن المذكورين بالزهد.. خرج من بغداد يريد [ثغر] المصيصة، فصحبه الصوفية... (32) . والقصة طويلة وطريفة، وتحتاج إلى مكان أرحب. وابن المبارك أول من صنف بالجهاد ومع ذلك كان يفسر قوله تعالى:"وجاهدوا بالله حق جهاده"، هو مجاهدة النفس والهوى. وقد صدِّرت تراجم الصوفية باسمه."
وكانت وفاته في بلدة"هيت"بالعراق عند انصرافه من الغزو. (33) .
ومنهم أبو سعيد الشهيد -رحمه الله- ووصف بأنه صاحب بأس شديد، وقد حمل في إحدى الغزوات، وقتل نفرًا من الأعداء قبل أن يستشهد. وقدأنشد قبل موته:
أحسن بمولاك سعيد ظنّا
تنحِ ياحور الجنان عنّا ... مالك قاتلنا ولا قتلنا
لكن إلى سيدكن اشتقنا ... قد علم السر وما أعلنا (34) .