فهرس الكتاب

الصفحة 15447 من 23694

ولا نريد الإسهاب في هذه التوطئة أكثر من ذلك، وزبدة القول:

إن العباد والزهاد ومن بعدهم الصوفية، استنوا لأنفسهم سنة"المرابطة" (10) . فشدوا الرحال إلى ميادين القتال، لوعظ المجاهدين، وتقوية عزائمهم، والمجاهدة معهم. يقول يحيى بن معاذ الرازي (ت 258هـ) مشيرًا إلى أن من شروط الصوفية السياحة للجهاد:

ومن الدلائل أن تراه مسافرًا

ومع الاعتراف بأن الذي ساعد على توافد الصوفية وسياحتهم في العواصم والثغور بهذه الأعداد الوفيرة، هو الفرار من مشاهد الفتن، وتطاحن الأحزاب التي برزت إبان العصرين الأموي والعباسي، وغرق كثير من الناس في ملذات الدنيا وشهواتها، فوجد هؤلاء في هجرتهم إلى تلك الأماكن آفاقًا رحبة لجهادهم، ورضى نفوسهم وراحتها. ... هذا الذي كنت تمنَّى

يقول أحمد بن أبي الحواري (ت 230 هـ) :"في الرباط والغزو نعم المستراح إذا مل العبد من العبادة، استراح إلى غير معصية" (12) .

ولننتقل الآن إلى أرض الواقع، ونورد شواهد حية من جهاد الصوفية في القرنين الثاني والثالث الهجريين، وقد اخترنا هذه الحقبة لصفائها من الشوائب، ولأنه تم فيها وضع أسس ومرتكزات علم التصوف وقواعده. قال الإمام الجنيد (ت 297 هـ) :"طوي بساط هذا العلم منذ خمسة عشر عامًا، وإنما نتكلم في حواشيه".

فمع بواكير القرن الثاني يطالعنا الحسن البصري- رحمه الله- (ت 110 هـ) الذي يعده الصوفية في هرم سلسلة شيوخهم وناشر علومهم. قال أبو طالب المكي:"كان الحسن رضي الله عنه أول من أنهج سبيل هذا العلم، وفتق الألسنة به، ونطق بمعانيه، وأظهر أنواره، وكشف قناعه." (13) . وذكر الحفاظ:"لازم الحسن العلم والعمل، وكان أحد الشجعان الموصوفين في الحرب" (14) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت