وابن السرّاج لا يُعنى بالعشق تلك العاطفة القوية التي تكون بين الرجل والمرأة فحسب، وإنما يستخدم اللفظة بمعنى أوسع، فتشمل محبِّي الله من المتصوفة أيضًا، كما تشمل عشاق الجن وغيرهم، فتراه يفرد بابًا لمصارع عشاق الجنان، وآخر لمصارع عشاق الجن، أما التعلق الشديد بالله فلا يسميه عشقًا، وإنما يسميه محبة، فيفرد بابًا في الجزء السادس بعنوان"باب ذكر مصارع محبِّي الله عزَّ وجلَّ"وبابًا آخر في الجزء التاسع بعنوان:"باب مصارع مُحبِّي الله عزَّ وجلَّ"وبابًا ثالثًا في الجزء الثالث عشر بعنوان:"باب يلحق بمصارع محبي الله عزّ وجل"وهناك اتفاق بين الفقهاء، أو شبه اتفاق، على عدم جواز إطلاق لفظة العشق على العلاقة بين العبد وربه، ويرجح أن يكون مرد ذلك إلى عدم ورود هذه اللفظة، أو مشتقاتها، في القرآن الكريم، فقد استخدمت لفظة (الحب) ومشتقاتها للتعبير عن العلاقة القوية التي تربط العبد بربه.
يبتدئ المؤلف كتابه بهذا الخبر الطريف:"سأل أمير المؤمنين المأمون يحيى بن أكثم عن العشق ما هو؟ فقال: هو سوانح تسنح للمرء، فيهتم بها قلبه وتؤثرها نفسه. قال: فقال له ثمامة: اسكت يا يحيى: إنما عليك أن تجيب في مسألة طلاق أو محرم صاد ظبيًا أو قتل نملة، فأما هذه فمسائلنا نحن فقال له المأمون: قل يا ثمامة، ما العشق؟ فقال ثمامة: العشق جليس ممتع وأليف مؤنس، وصاحب ملك، مسالكه لطيفة، ومذاهبه غامضة، وأحكامه جائرة، ملك الأبدان وأرواحها، والقلوب وخواطرها، والعيون ونواظرها، والعقول وآراؤها، وأعطي عنان طاعتها، وقود تصرفها، توارى عن الأبصار مدخله، وعمي عن القلوب مسلكه، فقال المأمون: أحسنت والله يا ثمامة، وأمر له بألف دينار" (9) .