فهرس الكتاب

الصفحة 15414 من 23694

ويبدو أن التوحيدي قد وقف موقف المصلح والمربي حيث يقول:"يا هذا: إنما احتجت إلى تهذيب الأخلاق لأنك معجون من عقاقير كثيرة، ومركب من أضداد متعادية، وأشكال متوافية... فلهذا احتجت إلى ضمّ نشرها ولَمِّ شعثها، وتألُّف شاردها، وإصلاح فاسدها، وتقويم أعوجها، وإرشاد أهوجها، فإذا صَلُحت أخلاقك حسنت آدابك، وإذا حسنت آدابك، شَرُفت هممك وإذا شرفت هممك طابت مآربك .." (65) .

فعلى الإنسان أن يصلح ما فسد من أخلاقه ويتعلم حسن الأدب والمعاملة والمعاشرة. كما لا يمكنه أن يعيش وحده دون أن يتصل بالآخرين، لأن الاتصال بالآخرين يقّوي المعرفة والإحساس بالإنسانية.

يقول"الإنسان لا يمكنه أن يعيش وحده، ولا يستوي له أن يأوي إلى المقابر، ولا بدَّ له من أسباب بها يحيى، وبإعمالها يعيش، فبالضرورة ما يلزمه أن يعاشر الناس، ثم بالضرورة ما يصير له بهذه المعايشة، بعضهم صديقًا وبعضهم عدوًا، وبعضهم منافقًا وبعضهم نافعًا، وبعضهم ضارًا، ثم بالضرورة يجب عليه أن يقابل كل واحد منهم بما يكون له مرد من دين، أو عقل أو فتوة أو نجدة، ويستفيد هو من ذلك كله ما يكون خاصًا، به، وعائدًا بحسن العقبى عليه." (66) .

والتوحيدي من خلال حديثه عن الإنسان فطن إلى كثير من الحقائق التي تدلنا على عمق فهمه للناس وحسن إدراكه لطبائع البشر، وقوة بصيرته في الحكم على مسوغات الأفعال الإنسانية. فيلاحظ أن الناس لا يثبتون على حال واحدة، ولا على أخلاق واحدة، أو عادات متشابهة، بل قد يخلص منهم من هو منافق ويتضح منهم من هو صديق أو عدو أو نافع أو ضار.

فالإنسان ذو طبيعة فاسدة اكتسبها من جهة جانبه المادي ذي الأصل الترابي الذي طغى على جانبه الروحي ذي المصدر الإلهي بسبب الظروف الحياتية، وخلاص الإنسان ممكن، وهو يتناسب طردًا مع طاعته للّه وعبادته له فيمكن له أن يسمو على جزئه الترابي فيزيل حجب الجسد حتى يجد معدنه الأول وجوهر وجوده.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت