فوظيفة الإنسان العبادة والمعرفة، وسبيل المعرفة أن ينقي ما فيه من جزء إلهي حتى يعود إلى أصله العقلي، ولكنه ابتعد عن عقله وعن إنسانيته، ولا يستطيع صقل نفسه إلا بالمعرفة، وسبيل حصوله على الفضائل والأخلاق الحميدة هي سبيل حصوله على المعرفة، فالشر ناجم عن انغماس الإنسان في شهواته المادية فإذا ما كبح جماح الشهوات وتخلّى عنها اعتدلت أخلاقه ونال سعادته وأصبح إنسانًا سويًا.
يقول التوحيدي"أما تستحيي أن تستخدم عقلك الذي هو أشرف مِنَح اللّه عندك، لشهواتك التي هي أفضح الأشياء لك؟ وما في قضاء وطر ساعة؟ وما نيل لذةٍ منقطعة يبقى عارها ويرتهنك وزرها" (49) .
ويدعو التوحيدي الإنسان إلى الإخلاص والتوحيد للّه تعالى"نزّه طرفك عن النظر إلى غير اللّه، شرِّف فكرك بالفكر في عظمة اللّه، بيّض وجهك بالصبر على عبادة اللّه، أخلص عملك من الشرك باللّه... ادنُ حتى تصغي، أَصغِ حتى تسمع، اسمع حتى تفهم، افهم حتى تعقل، واعقِل حتى تشرف، واشرف حتى تنقى، وانقَ حتى تنعم، وانعم حتى تسعد، واسعد حتى تتقي، واتقِ حتى ترقى، وارقَ حتى لا تشقى" (50) . فبالعقل والمعرفة يشرف الإنسان وينقى وينعم ويسعد ويرقى.
الحياة الإنسانية وأصنافها:
الحياة الإنسانية قائمة على ثنائيات متناقضة والتوحيدي صنّفها بشكل مبدع للغاية يقول:"اعلم أنك في هذه الدار بين طيّب وخبيث، وقديم وحديث، وقولٍ وعمل، وعُذر وعَذَل، وإضرار واختيار، وشكرٍ وصبر، ووفاء وجَزَع، وأمانٍ وفزع، وظلمة ونور، وتَرحَةٍ وسرور، وغُمّةٍ وانجلاء، وهَبْطةٍ واعتلاء، وعافية وابتلاء، وصحوةٍ وسُكر، ولذةٍ وحسرة، ويقين وحيرة، واجتماع وفرقة، وإمتاع وحُرقة، ووحشةٍ وأنس، وهمِّ وعرس، وإطلاق وحَبس، واستقلال ونَكْس، وسعادٍ ونحس، ونزاهةٍ وحرِص، وحفظ وإضاعة، وكتمان وإذاعة، ودَرَكٍ وفوت، وحياةٍ وموت، فخذ نفسك بالإعراض عن زهرة تحول، ونعم تبلى، ومُدّةٍ تنصرم، وشهوة تنقضي، وتبعة تبقى..." (51) .