يقول التوحيدي:"الإنسان صغير الحجم، ضعيف الحول، لا يستطيع أن يجمع بين شهواته وأخذ حظوظ بدنه وإدراك إرادته، وبين السعي في طلب المنزلة عند ربه بأداء فرائضه، والقيام بوظائفه، والثبات على حدود أمره ونهيه فإن صَفُق وجهه وقال: نعمل تارة لهذه الدار وتارة لتلك الدار فهذا المذبذب الذي لا هو من هذه ولا من هذه؛ ومن تخنّث (45) وتليّث لم يكن رجلًا ولا امرأة، ولا يكون أبًا ولا أمًا.. ." (46)
فالإنسان ضعيف لا يمكنه أن يوفّق بين إرادته في التحكم بشهواته وبين السعي لأداء الفرائض والامتثال لأوامر اللّه ونواهيه، والتوحيدي لا يرضى أن يقف الإنسان موقف المترجح المذبذب الذي لا هو من هذه ولا هو من هذه.
وليس على الإنسان"أن يدرك النجاح في العواقب وإنما عليه أن يتحرّز في المبادئ" (47) . فالإنسان الذي يعمل في دنياه ويطيع أوامر ربه ويعبده خير عبادة فإنه هو الذي ينجح ويفوز في النهاية، والذي يعمل لآخرته خير من الذي يعمل لدنياه.
ومنذ أن يولد الإنسان تبدأ ماهيته بالوجود ويتحقق هذا الوجود بالمعرفة وتكتسب هذه المعرفة بالوسائل والأدوات، وإذا اكتسبت هذه المعرفة اكتسبت الوجود.
فالإنسان كائن معرفي بمعنى أن وجوده يكمل من خلال المعرفة التي يكتسبها من الحياة، وهو يحدّد المعرفة فتقوم المعرفة بتحديد مفهومه وبتحديد معنى وجوده، ووظيفته في الحياة البحث عن إنسانيته ويستطيع الكشف عنها عن طريق العقل، وهو منذ التكوين الأول يكتسب المعرفة، لأن المعرفة سابقة على الوجود الإنساني وُجدت منذ النفخة، فالله عالم وفي النفخة منح علمًا.
فالمعرفة تمكّنه قبل كل شيء من تحقيق إنسانيته ومعنى وجوده، ولعل هذا ما أراده التوحيدي بعبارته:"أنا أعوذ باللّه من صناعة لا تحقّق التوحيد ولا تدلُّ على الواحد ولا تدعو إلى عبادته، والاعتراف بوحدانيته، والقيام بحقوقه، والمصير إلى كنفه والصبر على قضائه، والتسليم لأمره..." (48) .