الإنسان بما هو مركب من جسد وروح فهو في مركز وسط بين الأجرام الناطقة العلوية والأجسام المادية الحية الوضعية، فهو بالنسبة إلى باقي الكائنات""لبّ العالم، وهو في الأوسط لانتسابه إلى ما علا عليه بالمماثلة، وإلى ما سفل عنه بالمشاكلة، ففيه الطرفان، أعني فيه شرف الأجرام الناطقة بالمعرفة والاستبصار والبحث والاعتبار، وفيه ضعة الأجسام الحية الجاهلة، التي ليس لها ترشح بشيء من الخير، ولا فيها انقياد له" (33) ."
فالإنسان مركز المخلوقات وهو فوق العناصر الأربعة والجماد والنبات والحيوان وهو سيّد العالم وفي قمة الهرم وتحت العقول العشرة التي يأتي في قمتها العقل الأول وواجب الوجود، وهو بشر من جهة انتسابه إلى ما سفل عنه بالمشاكلة، فيه صفة الجهل والاستعداد للانحدار إلى أسوأ من الحيوان الذي تتحكم فيه الغريزة، فهو كالعناصر الأربعة والجماد والنبات والحيوان، وهو من جهة انتسابه إلى ماعلا عليه بالمماثلة إنسان فيه شرف الجوهر وسموه فهو كالعقول العشرة والعقل الأول والواحد الأحد واجب الوجود، وهناك تواصل وتكامل بين الطرفين.
ولما كان جسد الإنسان جزءًا من هذا الكون ونفسه جزءًا من الأنفس الكلية، فإن هناك تواصلًا بين النفس الكلية والكون، وثمة تواصل آخر بين الجسد والنفس، وبما أن النفس جزء من النفس الكلية، فإن الجسد الإنساني جزء من العالم، إذًا هناك تواصل بين الجسد والعالم.
"فكل حيوان غير ناطق عادم لشرف الصورة، وكل حيوان ناطق واجد لشرف الصورة إلاّ أن الناطق ناطقان: ناطق في الذروة وناطق في الوسط. فالذي في الذروة الأجرام الناطقة النيرة العلوية، والذي في الوسط الإنسان الذي قد حوى بحده معنى النطق" (34) .