فالإنسان يستمد معنى وجوده من الوجود الإلهي، وهو مرتبط باللّه ارتباطًا وجوديًا، ولا معنى لوجوده من غير الوجود المطلق ومن غير عنايته وتسويته، وهو لم يتركه في غياهب النسيان للضياع، وإنما احتفظ به وتكفّل به.
الإنسان خليفة اللّه على الأرض:
لقد أمر اللّه تعالى الملائكة بالسجود لآدم وهذا السجود لم يكن للبشرية وإنما للإنسانية التي ظهرت بالنفخة الإلهية، ولأن الإنسانية شرفت بالجوهر بينما البشرية بالعرض.
يقول التوحيدي نقلًا عن علي بن أبي طالب (كرم اللّه وجهه) :"إن اللّه جل جلاله أمر بما لم يرد ونهى عما أراد، أمر إبليس بالسجود ولم يرد أن يسجد، ولو أراد أن يسجد لما غلبت إرادة إبليس إرادة اللّه جل سلطانه، ونهى آدم عن أكل الشجرة وأحبّ أن يأكل منها ولو لم يحبّ أن يأكل منها لما غلبت محبة آدم محبة اللّه تعالى" (30) .
فاللّه منذ تلك اللحظة أنزل الإنسان إلى الأرض بإرادته، وجعله بفضله خليفته على الأرض وسخّر جميع الكائنات لخدمته. وهذا يفسر لنا معنى خلافة الإنسان للّه على الأرض، يقول التوحيدي معلّقًا على هذا الكلام:
"تعلم أن اللّه سبحانه أنشأ العبد ثم تولاّه ولم يُخله من يده، وأن العبد يتصّرف بين علمه وإرادته وأمره ونهيه في ظاهر تكليفه، وطرفاهما بين الحالتين يلتقيان، وكلتاهما مستويتان."
واعلم أن الخلق ظهر منه وثبت به، وانقلب إليه، أعني أنه أبدأه وأنشأه في الأول، وهو غذّاه وأنماه في الثاني، وهو قَبَضَه ورقاه في الثالث باستطاعته، واستبدّ بقدرته، وانفرد بحوله وقوته، واستغنى عن موجده وحافظه، وإنما ركدت الشبهة على قوم من جهة أنهم تخطّوا الأمر والنهي وهما أسّ التكليف، وأوجبوا التمكين والتخيير، وظّنوا أن هذا القدر يفضل الحال بيننا وبين اللّه عز وجل فلا نؤتى إلا من قِبَلنا، ولا نلام إلا على فعلنا. واعلم أن الإنسان مطلق في صورة مقيّد، ومختار في هيئة مضطّر، ومرسل في حلية ممنوع..." (31) ."