لقد وضع الفكر العربي الإسلامي الإنسان في مركز وسط بين الله وبقية الكائنات، فهو يحتلّ قمة الهرم الذي توجد في أسفله العناصر الأربعة التي تدخل في تكوين كل ما يأتي فوقها (الجماد فالنبات فالحيوان) كلها تختلف عن الإنسان في أنها لا تملك العقل الذي بفضله عرف الإنسان الله (21) .
إن مفهوم الإنسان في الفكر العربي الإسلامي هو مفهوم الإنسان الكامل الذي استطاع الوصول إلى إدراك جوهره، والمعرفة هي التي تساعده على اكتشاف جوهره في أشّد علاقاته الجدلية بالمفردات.
فالكمال هو الوصول إلى الجوهر، ولا يتم إلاّ بالمعرفة التي هي أداة الإنسان لبلوغ الكمال. وكل ما أنتجته الحضارة العربية الإسلامية من فكر وأدب وعلوم يهدف إلى مساعدة الإنسان على تحقيق هذا المفهوم والوصول إلى مرتبة الإنسان الكامل.
خلق الإنسان:
اعتمد التوحيدي في مفومه للإنسان على القرآن الكريم، فقد تمّ الوجود الإنساني على مرحلتين: وجود بشري جسدي فوجود عقلي إنساني.
الأول يقابل المرحلة الأولى من الخلق الطيني، أما الثاني فيقابل المرحلة الثانية التي تلت التسوية والنفخة، وكل هذا تمّ في القسم الغيبي الذي لا دخل للإنسان فيه، كما في قوله تعالى: ( وإذ قال ربك للملائكة إني خالقٌ بشرًا من طين، فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين (( 22) .
فالإنسان"شخص بالطينة، ذات بالروح، جوهر بالنفس، إله بالعقل، كلٌّ بالوحدة، واحد بالكثرة، فانٍ بالحس، باقٍ بالنفس، ميت بالانتقال حي بالاستكمال، ناقص بالحاجة، تام بالطلب، حقير في المنظر، خطير في المخبر، لب العالم، فيه من كل شيء شيء، وله بكل شيء تعلق، صحيح بالنسب إلى من نقله من العدم... وأخبار الإنسان كثيرة وأسراره عجيبة، من عرفه فقد عرف سلالة العالم ومصاصته، وقد حوى جوهره شبهًا من كل ما يعرف ويرى...: (23) ."
ومرحلة الخلق الطيني تقوم على عناصر أربعة وهي التراب والماء والهواء والنار، يقول التوحيدي عن هذه المرحلة.