فهرس الكتاب

الصفحة 15400 من 23694

في بداية البحث أودّ الحديث عن مفهوم الإنسان في الفكر العربي الإسلامي لأنني انطلقت من هذا الفكر واعتمدت عليه في دراستي؛ بالإضافة إلى أن التوحيدي الذي اخترته قد قدّم رؤية جدلية متكاملة لمفهومي الإنسان والمعرفة، وبيّن العلاقة المتكاملة بينهما التي انسجمت انسجامًا تامًا مع موقف الحضارة العربية الإسلامية من الإنسان.

وربما لا نجد مفكرًا من مفكري المشرق العربي، اهتم بالبعد الإنساني، مثل اهتمام التوحيدي وخاصة أنه كان في كتاباته معبرًا عن جوانب نفسيةٍ وجوديةٍ.

فالحضارات عمومًا تأسست وانتظمت وتطورت معتمدة على مفاهيم ثلاثة وهي الإله والإنسان والكون، وكل حضارة من الحضارات قد غلّبت مفهومًا واحدًا من هذه المفاهيم، فرأت المفهومين الآخرين من خلاله.

فالحضارة التي تغلّب مفهوم الإله هي حضارة إلهية يسود فيها الفكر الغيبي، والحضارة التي تغلّب مفهوم الإنسان هي حضارة بشرية يسود فيها الفكر الإنساني، أما الحضارة التي تغلّب الكون فهي حضارة مادية يسود فيها الفكر الطبيعي.

إن العلاقة بين هذه المفاهيم علاقة وشيجة قائمة في داخل الحضارة الواحدة، ولكن المعطيات السياسية- الاجتماعية، والاقتصادية- والثقافية، المتغيرة بحسب الزمان والمكان، تتدخل في تحديد تلك العلاقة وفي تغليب أحد تلك المفاهيم على الأخرى.

لقد قامت الحضارة العربية الإسلامية على تغليب مفهوم الإله، ورأت من خلاله مفهومي الإنسان والطبيعة فما هما إلا مظهر خلق الله، واحتفظت هذه الحضارة بالعلاقة العمودية بين الله والإنسان والكون، وهي علاقة تحدد مفهوم الحياة الإنسانية وغاياتها. فما الحياة الدنيا إلاّ مرحلة، على الإنسان أن يوازن فيها بين الجسد والنفس استعدادًا للحياة الأبدية في الآخرة، والإنسان جزء من الجماعة وهدفه الحياة الباقية ووجوده في الحياة الدنيا وسيلة لإغناء الحياة الآخرة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت