التوحيدي واحد من أبرز أعلام الحضارة العربية الإسلامية، وهو من الفلاسفة الذين مزجوا بين الفلسفة والأدب، أي عبّروا عن فكرهم بلغة أدبية، وكانوا بذلك داخلين في إطار الفلاسفة الأدباء.
ولعلّ هذا يعدّ سببًا رئيسًا بين أسباب عديدة وراء اهتمام أبي حيان بقضية الإنسان كما نجد ذلك عند الجاحظ وعند أبي العلاء المعري وغيرهما.
فهو من طائفة مفكري الإسلام الأدباء الفلاسفة أو الفلاسفة الأدباء."والطائفة الأولى منهما متأدّبة بالجوهر ومتفلسفة بالعرض، في حين أن الطائفة الثانية متفلسفة بالجوهر متأدبة بالعرض" (14) .
"وقد عادى أبو حيان الكلام ذهابًا مع رأي أساتذته المتفلسفين الذين بيّنوا له أن الجدل الكلامي ليس إلاّ شغبًا وسفسطة، وأن السداد إنما يلحق بالفلسفة والقائمين عليها" (15) . فكان التوحيدي يتفلسف على طريقة المعتزلة، ميالًا إلى الجدل والأبحاث العلمية.
وينتسب أبو حيان إلى مدرسة أبي سليمان المنطقي التي أنشأها يحيى بن عدي وهي مدرسة الفلسفة الإلهية، التي كانت ترى الفصل بين الفلسفة والدين، ولا ترضى الجمع بينهما، وتعتقد أن لكلِّ مجاله الخاص في النفس الإنسانية.
"وبين الفلاسفة عاش أبو حيان في ظل الحقيقة الفلسفية، وهي حقيقة مخدّرة لآلامه النفسية، مُرويّةٌ بعض الشيء ظمأه العقلي، وهي في زمانه حقيقة لا تقبل النقض، لأنها تستطيع أن تحلّ كل مشكلة، وأن تجد جوابًا لكل سؤال."
وقد كانت أسئلة التوحيدي من الاتساع والدقة والعمق، بحيث تفتح المجال أمام ابتكار كثير؛ لأنها تستدعي معرفة نفسية وبيولوجية وطبيعية وانثروبولوجية" (16) ."
وهكذا استطاع التوحيدي أن يقدّم لنا في مؤلفاته رؤية جدلية متكاملة للمفاهيم: الإنسان والمعرفة والجمال والأدب، تلك المواقف التي تتلاقى مع موقف الحضارة العربية الإسلامية العام من هذه المفاهيم.
وقد تبنّى قاعدة أقام عليها فكره المعرفي يمكن تلخيصها، بأنها العلاقة بين الخالق والمخلوق في ظل الإسلام.