وكأن الكمال في نظر الفلاسفة المتصوفة والتوحيدي على سبيل المثال هو نظير المعيار الخلقي الذي يشكل بعرفانيته معرفة الحق ومصداقًا له، وذلك من خلال المعرفة اللدنية التي تحدد فضائله الإنسانية في وجودها الأخلاقي والاجتماعي بما يقابلها من كمال لصفة العالم الآخر، على اعتبار أن معرفة الكمال والتحلي به إنما تنطلق من جوهر وجود الإنسان في حركته الدائبة التي تسعى إلى معرفة النفس عبر صفة العقل، التي تنصر فيه مبدأه الأول بمواصفاته الإلهية، وذلك أن الكمال في قيمه الجمالية لا يتحقق عبر عالم الأظلة إلا بالتحول من حال حسنةٍ إلى أخرى أحسن"وإذا كان العالم.. يصير في كل ساعة ولحظة إلى هيئة لم يكن عليها من قبل فهل ذلك إلا لأن العالم متوجه إلى كمال وجمال ينالهما حالًا فحالًا، ثم يكون له بوجود الحق الأول مبدأ يتجدد فيه تشوقه" (9) ، وقياسًا على هذا فالإنسان مدار شوق إلى الارتفاع من عالم الأظلة في الخلق إلى معرفة باطن الحق، والاندماج فيه، والفناء في وحداننيته. وذلك لن يتم له إلا عبر صفتي التمام بما هو أليق بالمحسوسات، والكمال: الذي هو أليق بالأشياء المعقولة، ومن ثمة يكون"بلوغ الشيء الحد الذي ما فوقه إفراط وما دونه تقصير" (10) .