على أن هذا الكمال لا تتحدد معالمه في نظر التوحيدي إلا من خلال ما يحتوي الإنسان من معرفة يقينية للنفس التي تندرج بين الروح والجسد وهي ثنائية، تحدد مدار القيمة الفنية على خلاف غيرها من المخلوقات وإن معرفة العالم لا تتحدد إلا من منظور منطق معرفة الإنسان ذاته، فقد زعمت الحكماء على ما أوجبه آراؤها ودياناتها أن من الوحي القديم النازل من الله قوله للإنسان: اعرف نفسك، فإن عرفتها عرفت الأشياء كلها"وهذا قول لا شيء أقصر منه لفظًا، ولا أطول منه فائدة ومعنى، وأول ما يلوح منه الزراية على جهل نفسه وعلى أنه لم يعرفها، وأخلق به إذا جهلها أن يكون لما سواها أجهل، وعن المعرفة به أبعد، فيصير حينئذ بمنزلة البهائم بل أرى أنه أسوأ منها، وأشد انحطاطًا وسفالًا لها، لأنها لم تشركه في التمييز ولا شركها في الجهل فلما حاول امتثال هذا الأمر لم يصل إليه إلا بعد التمهر في الفنون العقلية والتوهم إلى فهم دقيقها وجليلها والإحاطة بكثيرها وقليلها فكأن الوحي إنما كان تلطفًا من الله له في استيعابها بالإيماء والإشارة والحفيف من العبارة، ثم أداه الاجتهاد إلى أن عرف نفسه وحدها بأنه حي ناطق مائت، وأنه مركب من الأخلاط الأربعة التي هي عناصره وأصوله، فإن فيه نفسًا ذات قوى ثلاث: وهي الناطقة التي مسكنها الدماغ، والغضبية التي مسكنها القلب والسهوية التي مسكنها الكبد.." (11) .