إن الحديث عن طبيعة الجمال عند أبي حيان التوحيدي تحوطه بعض التحفظات وعلى رأسها مصطلح الجمال الذي لم يتبلور في الفكر العربي إلا في فترة متأخرة، غير أن الممارسة في التعامل مع هذا الفن كانت -بالفعل- قائمة في تصوير أبي حيان التوحيدي ناهيك عن بعض الإشارات التي تعد بمثابة إرهاصات شكلت مفهومه للجمال بفضل سعة ثقافته وثقافة عصره، وما أسسته"بيت الحكمة"التي تفاعلت فيها أنواع المعارف المستمدة من الفلسفة اليونانية، فكان من شأن هذه الثقافة أن خلقت منه"أديب الفلاسفة وفيلسوف الأدباء"إذ أنه نهل من جميع المعارف الإنسانية فاتسعت محصلته الثقافية، فأصبح تفكيره مرنًا، قادرًا على تطويع اللغة بما تتناسب والطروحات الفلسفية فتعمقت تجاربه، وامتلأت ذاكرته بالأخبار المنقولة والشوارد المعجمية والاشتقاقات ومدلولاتها، واختمرت في ذهنه الألفاظ والمعاني فمضى يتحقق في تطابقها على مسميات الواقع وأفعال الناس، وأمعن النظر في مسائل الفلسفة للتعليل وتحليل قضايا الإنسان. مستضيئًا بدقة المنطق وحدس البصيرة، وانتخب ما يروقه من فنون الشعر والنثر والبلاغة، واغترف من المعارف على اختلافها، فهو يوفق بين الحسابات والبلاغة، وبين المنطق والفقه، ويضع فوق التخصص في مادة معينة والتقيد بمنهجها شرف"العلم"أي المعرفة على الإطلاق، وهذا ما نسميه اليوم بالثقافة" (5) ."