ومع الأيام غدت الإمامة ذات العلم الموروث محور العمل الشيعي، وأغنيت فكرتها، وزودت بكثير من المعاني والصفات بفضل التطور الثقافي والحضاري والسياسي الذي حصل في المجتمع الإسلامي، وتفتحت جوانبها للنظر والتأمل في كثير من المعاني والصفات والتجارب من تراث الديانات السماوية وغير السماوية، ومن الأفلاطونية المحدثة، والغنوصية وحكمة الشرق الأقصى.
وأسهمت ثورات الشيعة بشكل كبير في إسقاط الخلافة الأموية، لكن الحكم آل إلى أبناء عم آل علي من بني العباس، وكان لهذا آثاره خاصة على خط الإمامة من أبناء الحسين بن علي، الذي كان يتزعمه الإمام السادس جعفر الصادق، فقد انقسم هذا الخط إلى تيارين: متطرف، ومحافظ..
ودون الدخول في متاهات المقالات"اللاهوتية"وتوزيع الأدوار على عدد من الرجالات، حيث كفانا مؤونة ذلك كتاب الفرق مع عدد من الباحثين المعاصرين، يكفي القول بأن الجماعة الجديدة قالت بأن الإمام بعد الصادق هو ابنه البكر اسماعيل، وعلى الرغم من وفاة اسماعيل أيام أبيه فقد قالت الجماعة هذه بأن الخلافة انتقلت حكمًا ونصًا إلى محمد بن اسماعيل الذي يعرف عادة باسم محمد المكتوم، ذلك أن دعوة هذا الفرع التي اتسمت بالتطرف والعلمية في التنظيم دخلت في مرحلة من التكتم الشديد وباتت تعرف باسم السبعية أو الاسماعيلية وغير ذلك من الأسماء.
لقد شكَّل القوم الذين تبعوا اسماعيل، بعد عمل سري طويل، فرقة فاقت في إعدادها المحكم، وتنظيمها الدقيق المتقن، في مجال الفكر الفلسفي والثقافي العالي مع الإثارة العاطفية والانفعال، فاقت به كل الفرق التي سبقتها أو نافستها، ففي مكان العمل المشوش للفرق السابقة، والإيمان البدائي، والاعتماد على الفورات العاطفية أحكم عدد من العلماء ذوي القدرات الخارقة و العقول الجبارة نظامًا جديدًا للعقيدة الإسماعيلية على مستوى فلسفي في غاية الرقي، وأنتجوا أدبًا رفيعًا، بدأ الآن رجال عصرنا بالاعتراف بقيمته وأثره.