وكان له جاريةٌ وغلام، لكلٍّ منهما من قلبه جانبٌ لا يضيعه، وجالبٌ يعصي ما سواه ويطيعه، لكنه كان بالجارية أعلقَ حبالا وأوثقَ خيالًا، كان بصائب هواها مَتْبولا، وبصارم ما تحويه مُقْلتاها مَقْتولا، تَفْتِنُه بناظرها، وترهنُه في إسار الهوى شغفًا بما في مآزرها، يصميه لحظُها وهو يرى مَصْرَعَه، ويطميه رَشْفُ رضابها وهو لا يفارق مَكْرَعَه، لا يدع مَشْرَعه، ولا يعدُّ إلا كؤوسَه الفضيّةَ بذائب العقيق مُتْرَعَة. وكان قد أدّبها، ودأب حتى اجتنى من مجاني العود طَرَبَها، ثم ساءَ ظَنًّا بها وبالغلام، ظَنّا أنه قد وشجت بينهما وشائجُ الغرام، وطردَ الغلامَ إقصاءًا، ثم وكّل بالجارية عينًا يُحصي عليها ما يُنكر منها إحصاءًا، فنقلتْ إليه تلك العينُ الصافيةُ والدسيسةُ الخافيةُ، أنها لا تزال باكيةً، ولا تبرح تئنُّ حُرَقًا وما تني شاكية، فقويتْ لديه الريبةُ في أمرها حتى جَزَمَ، وقَوَّتِ الغيرةُ عزيمته فعاجلها وما حَزَمَ، وإنما قتل نفسَه بالبلوى، وعجَّل بما لم يَسْتَدركْ فارِطَهُ إلا بالشكوى، ثم كاد يُسْلَبُ عقلُه جنونا ويُلْسَبُ (13) بعقارب الوساوس ظنونا، فعكفَ على رثائها بأشعار تستبكي الجليدَ وتستلين الحديدَ، وتعدي رِقَّتُها القلوبَ فتذوب، وتستسعدُ الحَمامَ فيصدق في الحزن وهو كذوب.
ومن مَراثيه في جاريته التي سطا فيها على قلبه بيده، وقلعَ فيها عينَه بتعمده، قوله: (14)
يا طَلْعَةً طَلَعَ الحِمامُ عليها
رَوَّيْتُ مِن دَمِها الثَّرى ولطالما ... رَوَّى الهَوَى شَفَتَيَّ مِن شَفَتَيْها
مَكَّنْتُ سَيفي من مَجالِ خِنَاقِها ... ومَدامِعي تَجْري على خَدَّيْها
فَوَحَقِّ نَعْلَيها، وما وَطِئَ الحَصَى ... شَيئًا أَعَزُّ عليَّ من نَعْلَيها
ما كان قَتْلِيها لأنّي لم أَكُنْ ... أَبْكي إذا سَقَطَ الغُبارُ عليها
لكنْ [ظننتُ] (15) على العيونِ بِحُسْنها ... وأنِفْتُ من نَظَرِ العُيونِ إليها