فهرس الكتاب

الصفحة 1531 من 23694

ونجد عندما نستعرض أخبار البلاط العباسي في بغداد ومجالس الخلفاء نجد العلماء من فقهاء وفلاسفة وأدباء وسواهم حضورًا في كل مناسبة ووقت، كان ذلك تشجيعًا وإكرامًا لهم واحتفالًا بهم وصار ذلك إحدى أدوات الخلافة وغدت كتبهم أحيانًا تصنف لتهدى إلى واحد من رجال السلطة إن لم يكن تم صنيعها بناء على رغبة من رجل له مكانته في السلطة أو في الجيش أو في مجالات المال والزراعة.

وعندما حل التمزق بساح الدولة العباسية، وقامت الدول المستقلة، يلاحظ أن كل دولة مهما كان حجمها وإمكاناتها المادية صار لها بلاطها الشبيه ببلاط بغداد فيه علماء وشعراء وأدباء، وصحيح أن هذا أدى العديد من المنافع، فعلى الرغم من التمزق السياسي والقلاقل لم تتأثر حركات العطاء الفكري لا بل ازدادت نموًا بشكل ملحوظ للغاية، إنما من جهة ثانية كان المردود من الجانب الاجتماعي ثم العقائدي مريعًا، ففي الماضي عندما مالت السلطة منذ أيام الخليفة الراشدي الثالث عثمان بن عفان تصدى لها حملة التراث والعلم، وفي زمن بني أمية رفض العلماء التعامل بأي شكل من الأشكال مع السلطة، بل قاد العلماء نوعًا من المعارضة الفكرية الشديدة الفعالية، أما الآن فقد ارتبط العلماء خاصة الذين مثلوا التيارات السنية بالسلطة، وتورطوا في مشاكل الصراعات السياسية، حتى إن بعضهم وجد نفسه في وضع المسوغ لما لا يمكن تسويغه، خاصة أيام استبداد الجند بأمور السلطة والحنابلة بزمام شارع بغداد.

وفي وقت تنحصر فيه الثروات في أيد قليلة، ويلهث رجال السلطة وراء الذهب والمتاع، يحل الفقر والتعاسة والشقاء في ديار جماهير الأمة، وفتشت الجماهير عن مخرج فلم تجده لدى الذين ادعوا وراثة أبي ذر وأصحابه ولم يعد بالإمكان الاستمرار في المناقشات الدينية وتقديم قصائد فحول الشعراء بديلًا للأمن والخبز والعدالة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت