وفي عودة ثانية نحو الدعوة العباسية نرى هذه الدعوة قد شجعت بشكل غير مباشر جميع العقائد التي كانت موجودة قبل الفتح الإسلامي على التحرك ضد الحكم الأموي، وفقط عندما كانت بعض هذه الحركات تعلن العداء الصراح للإسلام، كان بيت الإمامة يعلن براءته من ذلك، يضاف إلى هذا أن الدعوة العباسية بالأصل كانت مرتبطة بتيار شيعي متطرف هو تيار الكيسانية، وعندما وصل العباسيون إلى السلطة واجهوا الحركات اللاإسلامية ـ الراوندية مثلًا ـ كما اصطدموا بفرق الشيعة، وكان لهذا آثاره على جميع الفئات، فمن جانب اضطر العباسيون منذ أيام المنصور إلى تبديل مواقفهم، واعتمدوا سياسة دينية خاصة، فقد حل عبد الله بن العباس في المكانة محل علي بن أبي طالب وضُغِطَ على العلماء لمسايرة رغبات الخليفة المنصور، ولعل تراجم الأئمة عمرو بن عبيد، وأبي حنيفة النعمان بن ثابت ومالك بن أنس ومحمد بن إسحاق بن يسار فيها من الشواهد مايكفي، فقد كانت العلاقات بين المنصور وعمرو بن عبيد متينة للغاية، ثم حينما رفض أبو حنيفة تسلم منصب القضاء اعتقل وامتحن، حتى عدَّ ذلك سببًا لموته، وسجن الإمام مالك وامتحن، ثم بعد ذلك صنف كتاب الموطأ بناء على رغبة المنصور وخططه، وبناء على رغبة من المنصور أعاد ابن اسحق كتابة مصنفه في السير والمغازي بشكل عباسي، وبعد المنصور رضي تلاميذ أبي حنيفة بتسلم المناصب السامية في بغداد، كما لم يجد خريجو مدرسة الإمام حرجًا كبيرًا في المشاركة في السياسة والقضاء وغير ذلك في القيروان وقرطبة، ولعل في سيرة الأئمة، محمد بن الحسن الشيباني، وأبي يوسف القاضي، وأسد بن الفرات، وسحنون ما يكفي للدلالة والبيان.